هل وجود اللَّه بديهي ؟
2024-03-31

لقد اعتبر بعض العرفاء ((وجود اللَّه)) في العالم أمراً بديهياً، وادّعوا بأنّ استنباط هذه الحقيقة من آيات القرآن والوقوف عليها استنباط واضح ولا يحتاج إلى الاستدلال عليه والتفكير مطلقاً.

وكأنّ ((توماس كارليل)) الفيلسوف الإنجليزي قد انتزع مقالته التالية من هذا التصور والاعتقاد إذ قال:

إنّ الذين يريدون إثبات وجود اللَّه بالبرهان والدليل ما هم إلّا كالذي يريد الاستدلال على وجود الشمس الساطعة الوهّاجة بالفانوس. (1) ولدى مراجعة الآيات القرآنية والأدعية الواردة عن أهل بيت النبي (عليهم السلام) يمكن الوقوف على إشارات جلية إلى هذا المطلب، ونعني بداهة ((وجود اللَّه)).(2)

ومن ذلك قوله تعالى:

[أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ] (3)

فما يمكن أن يكون إشارة إلى قضية ((بداهة وجود اللَّه)) في هذه الآية هو قوله: [أَفِي اللَّهِ شَكٌّ] في حين أنّ المقطع التالي من الآية أعني قوله: [فَاطِرِ السَّموَاتِ وَالأرْضِ] يعتبر دليلًا مستقلًا على وجود اللَّه كما سيأتي توضيحه وبيانه فيما بعد.

وكما يمكن أن تكون الآية المذكورة إشارة إلى ((بداهة وجود اللَّه)) كذلك يستفاد ذلك من الآية التالية التي تصف اللَّه بالظهور إذ تقول:

[هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ] (4)

كما ويمكن استفادة إشارات واضحة إلى هذا الأمر من دعاء الإمام أبي عبد اللَّه الحسين بن علي سيد الشهداء (عليه السلام)، ومناجاته يوم عرفة مع ربه إذ يقول: ((كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك؟! أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك؟! متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك؟! ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك؟! عميت عين لا تراك عليها رقيباً)).

ــــــــــــــــــــــ

(1) كلشن راز: 51.

(2) ليس المراد من البداهة أن لا يختلف فيه اثنان أو لا يحتاج إلى تذكير مذكر بل للبداهة مراتب بعضها يحتاج إلى تذكير مذكر أو إشارة مشير، وربما يحتاج التصديق به إلى تخلية النفس من الرواسب والآراء السابقة، ولأجل ذلك لا مانع من أن يكون وجود اللَّه معنى بديهياً وإن اختلف فيه الناس والفلاسفة.

(3) إبراهيم: 9.

(4) الحديد: 3.



مفاهيم القرآن، ج ١، الشيخ السبحاني، ص38، 39