الوجه الأول: إن حالات انطباع الشخص عن نفسه على خلاف جنس جسده هي حالات لا يتلاءم فيها الجسد والانطباع الوجداني على ما يجده أصحاب هذا الانطباع أنفسهم والذي يفترض تصديقه في الاتجاه الحديث، ولذلك فإن هذه الفئة غالباً يكرهون مميزات جنسهم الجسدي ويسعون إلى التخلص منها وصناعة مظاهر ملائمة لجنسهم وفق انطباعهم من خلال الجراحات التجميلية، أو يسعون إلى إيقاف
نشاطات تلك الأعضاء من خلال تزريق الجسم بالهرمونات المغايرة. ومقتضى ذلك أن هناك خللاً في أحد أمرين: إما في جسد هؤلاء، بمعنى أن هذا الجسد قد نشأ خطأً على حد حالات تشوه الجسد مثل أن يولد الشخص جامعاً بين الخصائص العضوية للذكر والأنثى، أو في انطباعهم الذهني، بأن يكون هذا الانطباع زائفاً.
وليس من الصحيح افتراض خلل في جسم هؤلاء باشتماله على الأعضاء الخاصة، لأن هذا الشخص قد ولد سليماً غير مشوّه الخلقة من المنظور الطبي وكان كذلك حتى مرحلة المراهقة التي بدأ يشعر فيها بانطباع مغاير عن جنسه.
بل حتى بعد هذا الانطباع، فإنّ تلك الأعضاء تعمل وتؤدي وظائفها الحيوية في داخل الجسم على وجه سليم، فالغدد التناسلية مثلاً تولّد الهرمونات الخاصة الملائمة مع الجسد.
فالمفروض حينئذ أن نعتبر الخلل في الانطباع، لأن هذا الانطباع أمر حادث لاحقاً، وليس هناك مناشئ جينية توجبه ليكون قد تبلور لاحقاً - كما يتفق عليه أهل العلم حتى الذين تقبلوا هذا الانطباع (وسيجيئ توضيح ذلك في موضعه) - وإنما يحدث عن مناشئ حادثة من خلال البيئة وما ينطوي عليها من حوادث ويشتمل عليها من مثيرات ومحفزات مثل الإعجاب بالجنس الآخر وغير ذلك.
والحاصل: أنه إذا دار الأمر بين الخلل في بعد جسمي قد نشأ على وجه سليم ولم يزل كذلك من دون أي شك، وبين الخلل في الانطباع متجدد في مرحلة البلوغ والمراهقة أو قبيل ذلك فلا شك أنه ينبغي ان نعتبر الخلل في البعد النفسي الطارئ أسوةً بعشرات الحالات النفسية غير المستقيمة التي تنشأ لاحقاً في أثر البيئة والعوامل الظاهرة والكامنة التي تنطوي فيها جملة من الحالات الغريزية المتفق على أنها حالات منحرفة مثل توجه الميل الغريزي الى الأطفال والمراهقين حصراً، أو الى الحيوانات أو غير ذلك مما هو معروف في علم الطب الجنسي.
سلسلة مقالات من كتاب (تكامل الذكر والانثى في الحياة)، ح 2، ص45، 46
تأليف: السيّد محمّد باقر السيستاني