إن من الملحوظ في علم التشريح وعلم وظائف الأعضاء وعلم الطب بفروعه وعلم النفس العام من خلال سبر الظواهر والحالات التي ترصد في آحاد الناس أنّ هناك بجنب الظواهر والحالات الغالبة - التي تعتبر مستقيمة وصحيحة بطبيعة الحال، حالات قليلة ونادرة تقع في بعض الأشخاص، ومن الواضح في العشرات أو المئات من الحالات أنها حالات غير مستقيمة ولا صحية منها حالات جسدية قد تنشأ عن تشوه في الجنين ومنها حالات نفسية مثل الهلاوس المتكررة والوسواس القهري وفقدان الذاكرة وغيرها، وهناك حالات أخرى قد يقع ضرب من الإبهام في كونها أو بلوغها حد الخروج عن الاستقامة وعدمه، ولذلك فإنّ العقلاء وفق الخبرة العامة وأهل العلم والاختصاص في العلوم المشار إليها يضعون مقاييس عامة لتصنيف الحالة ضمن الحالات المستقيمة أو المرضية ونحوها.
ولا شك في أن الفطرة الإنسانية بأبعادها الجسدية والوظيفية والنفسية والسلوكية هي شاخص وجداني وعلمي في تحديد استقامة أنواع الظواهر الجسدية والنفسية والسلوكية التي يشهدها الإنسان في بعض الأفراد وعدمها.
ونعني بالفطرة - كما ذكرنا من قبل - ما فُطر عليه الإنسان من الخصائص الجسدية والوظيفية والنفسية والسلوكية التي يكون الإنسان واجداً لها نوعاً بحسب طبيعة خلقته والمشهود في عامة أفراد النوع الإنساني دون ما شذ منها مما يطرأ لعوارض خاصة مثل أسباب تشوه الجنين أو وقوع حوادث مؤذية للمرء أو غير ذلك.
فالإنسان الراشد بوجدانه وملاحظاته العامة وكذلك أهل العلم والاختصاص في مختلف العلوم ذات العلاقة من الأحياء والطب وغيرهما يعتمدون في التمييز بين الحالات والظواهر المستقيمة وبين ما هو خارج عن الاستقامة من البعد الجسدي الحالات والظواهر المستقيمة وبين ما هو خارج عن الاستقامة من البعد الجسدي والوظيفي أو النفسي والسلوكي على ملاحظة ما يلائم طبيعة النوع وخصائصه المعهودة فيكون ذلك معياراً لاستقامة الحالة وعدمها، فيصنف ما كان ملائماً على أنه حالة مستقيمة وصحية وطبيعية وما لم يكن ملائماً على أنه حالة مرضية أو شبه
مرضية.
سلسلة مقالات من كتاب (تكامل الذكر والانثى في الحياة)، ح 2، ص40، 41
تأليف: السيّد محمّد باقر السيستاني