تميز الثقافة البيانية الإسلامية مضموناً وأسلوباً
2023-12-07

وفي وسط هذه الثقافات المتباينة بعث النبي (صلى الله عليه وآله) ومعجزته القرآن

المجيد الذي يتميز بأسلوبه البياني الرفيع والمعجز الخالد، ومضامينه العالية السليمة التي لا تتناسب مع ذلك كله. بل هي نموذج فريد يتناسب مع كمال الله عز وجل وقدسيته وجلاله، وقدسية أنبيائه والسفراء بينه وبين خلقه (صلوات الله عليهم).

وبعد أن كان القرآن وحيـاً إلهيّاً - عندنا نحن المسلمين ـ فلا جهد القرآن للنبي (صلى الله عليه وآله) إلا في تبليغه، والحفاظ عليه من التحريف.

إلا أنه قد تفرعت عنه ثقافة فريدة متميزة في خطب النبي (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته وأدعيتهم وزياراتهم ووصاياهم والأحاديث الكثيرة المروية عنه (صلى الله عليه وآله) وعنهم (عليهم السلام). فإنها تتميز:

أولاً: بصياغتها البيانية الفريدة في كثير شائع من الموارد. تلك الصياغة التي صارت بها دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق، فصاحة وبلاغة ورصانة وانتظاماً وتناسقاً، بحيث كثيراً ما يستطيع الممارس أن يميز كلامهم (صلوات الله عليهم) عن غيره بصياغته وبهائه وجماله وروعته.

وثانياً: بمضامينها الجليلة، ومفاهيمها الدينية السليمة من التعريف بالله عز وجل، وتنزيهه عن مشابهة مخلوقاته، وعن الحدود والتغير، وأنه تعالى أحدي الذات، لا صفة له تزيد على ذاته يكون بها كماله. مع الإغراق في بيان عظمته وقدرته وسلطانه وسطوته، وحكمته وحلمه ورحمته، وعظم حقه على خلقه، وبديع خلقه وصنعه، وصفات جماله وجلاله.

والتأكيد على التوكل عليه وحسن الظن به والتسليم له والرضا بقضائه، والصبر على محنته وبلائه، والشكر له على نعمائه وآلائه، والتوسط في التدبير بين الجبر والتفويض، وأنه أمر بين أمرين.

كما تتبنى قدسية أنبيائه وأصفيائه وخالصته وخاصته، وخبث أعدائه وأعدائهم وشرورهم ووهنهم وسوء منقلبهم والتحذير منهم والتنفير عنهم.

 مضافاً إلى ما استفاض فيها من أخبار الماضين والغابرين والمبدأ والمعاد وتفاصيل الموت والبرزخ والبعث والنشور، والثواب والعقاب بنحو يختلف عما يوجد في التراث المتداول في تراث الأديان السابقة. بل كثير منه لا أثر له في ذلك التراث.

ثم اللجوء إلى الله تعالى ومناجاته مع الثناء عليه وتمجيده والرغبة إليه والتذلل بين يديه والتوسل به والبخوع له والتضرع إليه، والاعتصام به، والتوكل عليه والتسليم له وطلب الحوائج منه واستنزال رحمته والاستعاذة به من كل سوء وشر في الدنيا والآخرة.

ثم التفنن في الوعظ والترغيب والإرشاد والترهيب، والتذكير بالله تعالى، والتحذير من سطوته ونقمته، والحثّ على طاعته واستنزال رحمته والفوز بعفوه ورأفته.

مع الحث على مكارم الأخلاق ومحمود الصفات والخصال ومجانبة الشرور والرذائل، والنصائح التربوية والتوجيه في السلوك والعمل لما فيه صلاح الإنسان، مع الله تعالى، وفي نفسه وأهله ومجتمعه ورعيته، وفي دينه ودنياه وآخرته.... إلى غير ذلك مما يتفرع على المفاهيم القرآنية الرفيعة وينهل منها، ويستضيء بنورها، بنحو يصلح أن يكون شرحاً للقرآن المجيد وتفاعلاً بمضامينه الشريفة، حيث يكشف عن استيعابهم (صلوات الله عليهم) له، وتفاعلهم معه.

ويجد الإنسان ذلك كله في الكم الهائل من تراثهم الرفيع المشتمل على أحاديثهم الشريفة وخطبهم الجليلة، وكتبهم وعهودهم ووصاياهم وأدعيتهم وزياراتهم.




خاتم النبيين (صلى الله عليه وآله) ص229 ـ ص232

آية الله العظمى السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم (قدس سره)