وأعانه على ذلك واقع القرآن المجيد، حيث لم يتضمن التصريح بالعقائد الحقة - كإمامة أمير المؤمنين وولده (صلوات الله عليهم) بأسمائهم، ونفاق بعض الاشخاص كذلك، ونحو ذلك - بنحو يفهمه بوضوح عموم المسلمين حتى السواد الأعظم ممن لم يعاشر النبي (صلى الله عليه وآله) ويطلع على ظروف نزول القرآن، والقرائن الخارجية المحتف بها.
ولعله حذراً من أن يثير ذلك المنافقين وذوي المصالح المضادة للحقيقة، ويكون محفزًا لهم على إبعاد القرآن عن جمهور المسلمين، والتحجير عليه بتعيين أشخاص خاصين لإقرائه، ومنعهم من إقراء ما ينافي أهدافهم، أو غير ذلك من طرق التحجير، كما حصل منهم مع السنة الشريفة.
وإنما تضمن القرآن ما كان من تلك الحقائق مخالفاً لمصالحهم وأهدافهم بوجه يغفل عنه العامة والسواد الأعظم، ممن لم يطلع على ظروف نزول آياته والقرائن المحتفة بها، ويحتاج توضيحه للسنة الشريفة أو لمتابعة التاريخ والاستعانة به، أو لقرائن لا يدركها إلا القليل.
نعم من عاش مع النبي (صلى الله عليه وآله)، واطلع على ظرف نزول آيات القرآن الكريم والقرائن المحيطة بها، كانت العقائد الحقة واضحة له من القرآن المجيد نفسه، كما يشهد به قول الصديقة سيدة النساء فاطمة الزهراء (عليها السلام) في خطبتها الكبرى، بعد أن أنكرت عليهم غصب الخلافة: ((فهيهات منكم، وكيف بكم، وأنى تؤفكون؟! وكتاب الله بين أظهركم. أموره ظاهرة، وأحكامه زاهرة، وأعلامه باهرة، وزواجره لائحة، وأوامره واضحة. وقد خلفتموه وراء ظهوركم. أرغبةً عنه تريدون؟! أم بغيره تحكمون؟! [بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً] [وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَسِرِينَ] (الاحتجاج ج:1 ص:137 راجع فاجعة الطف الملحق الأول ص:598).
لكنهم كانوا بين من تغافل عن ذلك وتعمد مخالفته، ومن قصر في أداء وظيفته في الأمر بالمعروف وإنكار المنكر، ومن لم يُسمع منه، وحوصر بعد ذلك من قبل السلطة بالتحجير على السنة النبوية والمنع من تفسير القرآن الكريم وغير ذلك.
خاتم النبيين (صلى الله عليه وآله) ص201، 202
اية الله العظمى السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم (قدس سره)