اتجاه سير الأفكار في العصر الحديث حول الحقيقة الجنسية للإنسان واذعانه على أنّه شعور مستقيم
2023-10-15

لكن سير الأفكار في العصر الحديث اتّجه إلى الإذعان بشعور الإنسان عن نفسه على أنّه شعور مستقيم، بل جُعل ذلك هو حقيقة الهوية الجنسية للإنسان، وفُصلت هذه الهوية (الذكورة والأنوثة) عن الخصائص الجسدية المتمثلة بالأعضاء الخاصة الباطنية والظاهرية وكذلك الكروموسومات المكوّنة للخلية الذكرية والأنثوية وخصائصها الجينية، وبُني على أن مقتضى الأبحاث النفسية أنّ هذه الهوية تابعة للشعور النفسي الوجداني، تصديقاً لمزاعم القلة النادرة والشاذة من الناس ممن يرى نفسه على خلاف جنسه الجسدي، وعليه فإذا شعر الإنسان بأنه ذكر فإن هويته الجنسية تكون هي الذكورة ولو كان أنثى من حيث الجسم، وكذلك العكس، فالأعضاء الخاصة إنما تمثل ذكورة جسدية (بيولوجية) فحسب، ولكن هوية الإنسان تكون بحسب انطباعه الذهني عن نفسه وتعريفه لذاته، فإذا كان يعرف نفسه على أنه ذكر فهو ذكر وإن كان أنثى من حيث الجسد، وإذا كان يعرف نفسه على أنّه أنثى فهو أنثى وإن كان ذكراً من حيث الجسد.

وكان من نتيجة ذلك إضافة نوعين آخرين في الهوية الجنسية الإنسانية: إحداهما: مزدوج الهوية، وذلك إذا شعر الإنسان بأنه ذكر وأنثى في حال واحد وإن كان ذكراً جسدياً أو كان أنثى جسدياً، لكنه يكون وفق شعوره ذكراً وأنثى.

 والآخر: فاقد الهوية الجنسية، وذلك إذا لم يشعر الإنسان أصلاً بكونه ذكراً ولا أنثى ورغم أنه كان جسدياً ذكراً أو أنثى.

وكأن الطرح الأول للهوية الجنسية كان ينطوي على جميع الأبعاد الاجتماعية التي يختلف فيها الذكر والأنثى بما فيها البعد الغريزي ميلاً وسلوكاً، بمعنى أن المفروض بالذكر الذي يرى نفسه أنثى أن يكون كالأنثى في الرغبة الغريزية والسلوكيات الغريزية، وكذلك المفروض بالأنثى التي ترى نفسها ذكراً أن تكون كالذكر في الرغبة الغريزية والسلوكيات الغريزية.

ولذلك فإنّ من كان يجد لنفسه هوية جنسية مغايرة لجسده فإنّه كان يسعى غالباً إلى أن يتحول جسدياً فيتخلص من الأعضاء التي كانت له في الأصل ويزرع ما يشبه الأعضاء التي تكون ملائمة لهويته الجنسية وفق انطباعه.

لكن ربما تطور هذا الطرح تدريجاً وبُني على أنّ انطباع الإنسان عن جنسه إنما يقتضي رغبته في التعامل الاجتماعي العام معه كذلك ويُصنف ضمن هذا الجنس أو ذاك، ولا يستلزم بالضرورة انجذاباً غريزياً ملائماً أو سلوكاً غريزياً ملائماً مع الجنس الذي يفترضه لنفسه، فيمكن أن يكون الشخص ذكراً جسدياً، وينجذب كالذكر إلى الأنثى ويقترن كذكرٍ بالأنثى أيضاً، ولكنه يشعر أنه أنثى.

 هذا وقد بلغ الأمر تدريجاً إلى تجزئة الهوية الجنسية وتبعيضها بمعنى أنّ الشخص يميل إلى بعض سلوكيات الذكر وبعض سلوكيات الأنثى، فيكون حالة مُبعّضة ووسطى، وقد تولد بطبيعة الحال حالات متوسطة كثيرة تبعاً للسلوكيات التي يختارها الشخص مما يضاف إلى كل من الجنسين.

وعلى ضوء ذلك كلّه حدث مفهوم النوع الاجتماعي، وبُني على أنّ الهوية الجنسية للإنسان حالة اجتماعية، والمراد بها ما يحب الإنسان أن يظهر به أمام الآخرين ويتعامل الآخرون معه على وفق ذلك، فإذا أحب الذكر جسدياً أن يكون كالأنثى فيلبس ملابس الإناث ويتزيّا بزيهن ويتزيّن بزينتهن ويحضر بينهن ويكون معهن ويقتفي سلوكياتهن في أسلوب القول والحركات وغيرها فإنه يكون أنثى من حيث الهوية الجنسية الاجتماعية، وإذا أحبت الأنثى جسدياً أن تلبس ملابس الذكور وتتزيّى بزيّّهم وتكون معهم فإنّها تكون ذكراً من حيث الهوية الجنسية الاجتماعية.

 فهذا بُعدٌ آخر جنسي للإنسان مختلف عن البعد الشخصي الجسدي والبعد

النفسي الغريزي والبعد السلوكي الغريزي.

ثم كان الافتراض الأولي في هذا الاتجاه أنّ انطباع الإنسان عن نفسه حالة قهرية ومتجددة وغير اختيارية وثابتة يجدها الإنسان من نفسه وليس مجرد رغبة منه في أن يتقمص دور هذا الجنس أو ذاك.

ولكن تطور الموقف تدريجاً: فأصبح توصيف الشخص والتعامل تابعاً لرغبته ولاختياره، فإن اختار أن يعتبر ذكراً وجب توصيفه والتعامل الاجتماعي معه كذلك، وإن اختار أن يعتبر أنثى وجب توصيفه بها، وأجيز أن يكون هذا الاختيار متغيراً فهناك من يكون اختياره ملائماً مع وضعه الجسمي لسنين ثم يجد اختياراً مختلفاً، فيكون ذكراً في الأصل لسنين ثم تطرأ عليه المشاعر الأنثوية ويختار أن يكون أنثى.




سلسلة مقالات من كتاب (تكامل الذكر والانثى في الحياة)، ح ١، ص53 ــ ص55

تأليف: السيّد محمّد باقر السيستاني