أن موقف النبي (صلى الله عليه وآله) هذا من المنافقين وضعاف الإيمان، من أجل المحافظة على تماسك المجتمع المسلم، مع التنبيه للخطأ والتبكيت عليه، يتناسب مع موقف القرآن المجيد منهم.
ففي واقعة أحد شدّد الله عزّ وجل النكير عليهم في مخالفة أمر النبي (صلى الله عليه وآله) بلزوم موقعهم في الجبل رغبة في كسب الغنائم، ثم انهزامهم، وتركهم النبي (صلى الله عليه وآله) في مواجهة جيش المشركين، ثم اهتمام طائفة منهم بعد رجوعهم بأنفسهم وظنهم بالله تعالى غير الحق ظن الجاهلية... إلى غير ذلك.
لكنه بعد ذلك صرح بالعفو عنهم. وكان ذلك محفّزاً لهم على رجوعهم للتجمع عند النبي (صلى الله عليه وآله)، وتناسي ما حصل على أرض الواقع.
بل ذكر غير واحد من المفسرين أنهم هم وحدهم المعنيون بقوله عز وجل: [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ] (سورة آل عمران الآية: ١٥٩).
وأن الذين أُمِر النبي (صلى الله عليه وآله) بمشاورتهم خصوص الفارين في أحد تأليفاً لهم، لترتفع وحشتهم.
حتى إن الرازي ردّ الحديث المتضمن أن ممن شاورهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) أبا بكر، بدعواه أنه لم يفرّ، لتشمله الآية الشريفة (تفسير الرازي ج ٩ ص ٦٧ في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ). لكن روى جمع من المفسرين والمؤرخين عن عائشة أن أباها كان إذا ذكر أُحداً قال: ((كنت أول من فاءَ)) أي: رَجعَ بعد فراره راجع تفسير ابن كثير ج ١ ص : ٤٢٥ في ذكر ما وقع في أحد. الطبقات الكبرى لابن سعد ج ۳ ص ۲۱۸ في ذكره لأخبار طلحة بن عبيد الله. تاريخ دمشق ج : ٢٥ ص : ٧٥ في ترجمته لطلحة بن عبيد الله وغيرها من المصادر).
وقال الرازي أيضاً في تفسير الآية الشريفة: ((واعلم أن القوم لما انهزموا عن النبي (صلى الله عليه وآله) يوم أحد ثم عادوا لم يخاطبهم الرسول (صلى الله عليه وآله) بالتغليظ والتشديد، وإنما خاطبهم بالكلام اللين. ثم إنه سبحانه وتعالى لما أرشدهم
في الآيات المتقدمة إلى ما ينفعهم في معاشهم ومعادهم، وكان من جملة ذلك أن عفا عنهم زاد في الفضل والإحسان، بأن مدح الرسول (صلى الله عليه وآله) على عفوه عنهم وتركه التغليظ عليهم، فقال: [فَمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ...] ومن أنصف علم أن هذا ترتيب حَسَنٌ في الكلام)) (تفسير الرازي ج:9 ص:60 في تفسير قوله تعالى: [فبما رحمة من الله]). وهذا يناسب حرص الله عز وجل على قيام مجتمع إسلامي موحد مهما كان فيه من سلبيات.
خاتم النبيين (صلى الله عليه وآله) ص193ــ ص195
اية الله العظمى السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم (قدس سره)