ومن أجل ذلك اضطر النبي (صلى الله عليه وآله) إلى الاقتصار على التبليغ بكل ما أمر بتبليغه إقامة للحجة، من دون إصرار على تنفيذه. لئلا يحمل المنافقين وضعاف الإيمان على الالتفاف عليه، والإصرار على تكذيبه، بحدّ قد يصل للردة.
كما اضطر (صلى الله عليه وآله) أيضاً إلى التغاضي عن كثير من تجاوزات المنافقين وضعيفي الإيمان الذين يشكلون الثقل الأكبر في ذلك المجتمع.
حتى إنه (صلى الله عليه وآله) منع من فضح الأشخاص الذين تآمروا عليه بشخصه الكريم وأرادوا قتله (صلى الله عليه وآله) بتنفير ناقته في رجوعه من تبوك ـ كما تقدم، وأشار إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) في كلامه السابق - لأن فضحهم يستلزم أخذ الموقف المناسب منهم بقتلهم، وقد سبق أنه قال: ((أكره أن تتحدث العرب بينها أن محمداً قاتل بقوم حتى إذا أظهره الله بهم أقبل عليهم يقتلهم)) (تفسير ابن كثير ج ۲ ص ٣٨٦-٣٨٧، واللفظ له دلائل النبوة ج:٥ ص : ٢٦١ جماع أبواب فتح مكة باب رجوع النبي (صلى الله عليه وآله) من تبوك. تاريخ الإسلام للذهبي ج ٢ ص : ٦٤٨. الدر المنثور ج : ٤ ص : ٢٤٤ . روح المعاني ج ۱۰ ص ۱۳۹).
وفي حديث زرارة عن أحدهما (عليهما السلام): ((قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لولا أني أكره أن يقال: إن محمداً استعان بقوم، حتى إذا ظفر بعدوه قتلهم، لضربت أعناق قوم كثير)) (الكافي ج : ٨ ص : ٣٤٥ حديث : ٥٤٤).
فإن ذلك منه (صلى الله عليه وآله) كان حذراً من أن ينسب لاستغلال الناس، والتخلص ممن لا يعجبه بعد استفادته منه في الوصول لهدفه، بنحو لا يناسب قدسيته، وقد يوجب سلب الثقة به.
كل ذلك لأن الإصرار منه (صلى الله عليه وآله) على تنفيذ ما بلغ به يثيرهم، حتى قد يرتدون أو يشيعون التشكيك في عصمته. وقد انتهى الأمر بهم إلى أن رموه في أيامه الأخيرة بالهجر، منعاً له من أن يكتب لهم كتاباً يعصم الأمة من الضلال، في رزية الخميس المشهورة، فاضطر (صلى الله عليه وآله) للتراجع عن إعلان ما أراد بيانه وتثبيته، واكتفى في إقامة الحجة بطلبه ذلك أول الأمر.
وبهذه المواقف اللينة استطاع النبي (صلى الله عليه وآله) أن يؤدي وظيفته في التبليغ على الوجه الأكمل مع ا المحافظة على تماسك المجتمع الإسلامي، من أجل أن يوصل ذلك المجتمع - مع ما فيه من السلبيات الكثيرة ـ دعوة الإسلام وصوته للعالم خارج الجزيرة العربية، الذي سبق أنه من تتمة وظيفته (صلى الله عليه وآله) في التبليغ.
خاتم النبيين (صلى الله عليه وآله) ص190ــ ص192
اية الله العظمى السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم (قدس سره)