ومن هنا يتضح شدّة تعقد الأمور على النبي (صلى الله عليه وآله)، حيث لا ينسجم موقف الوحي الإلهي مع تعقدات المجتمع الإسلامي الناشئ التي سبق إيضاحها.
وقد حاولوا التشكيك بعصمته، فقد قال عبد الله بن عمرو بن العاص: ((كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله (صلى الله عليه وآله) أريد حفظه.
فنهتني قريش، وقالوا: إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ورسول الله (صلى الله عليه وآله) بشر يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت فذكرت ذلك لرسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: اكتب، فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا حق)) (مسند أحمد ج ۲ ص : ١٦٢ مسند عبد الله بن عمرو بن العاص واللفظ له. وج ٢ ص : ١٩٢. سنن أبي داود ج ۲ ص ١٧٦: أول كتاب العلم باب كتاب العلم. سنن الدارمي ج: 1 ص: ١٢٥ باب من رخص في كتابة العلم المستدرك على الصحيحين ج ١ ص : ١٠٥ كتاب العلم. المصنف لابن أبي شيبة ج : ٦ ص ۲۲۹ من رخص في كتاب العلم. وغيرها من المصادر)
ومن أجل هذا أنه لما أوحي إليه (صلى الله عليه وآله) بتعيين أمير المؤمنين (عليه السلام) خليفة له وإعلان ولايته بصورة عامة وصريحة طلب من الله تعالى العصمة من الناس، بحيث لا يطعن في شخصه الكريم (الكافي ج ۱ ص ۲۸۹ باب ما نص الله عز وجل ورسوله على الأئمة (عليهم السلام) واحداً فواحداً حديث : ٤ إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات ج ٣ ص ٤. دعائم الإسلام ج ١ ص : ١٥. شواهد التنزيل لقواعد التفضيل ج ١ ص : ٢٥٤ ، ٢٥٨. الدر المنثور في التفسير بالمأثور ج: ۲ص: ۲۹۸)، أو رغب في نفسه بذلك من دون طلب (تفسير جوامع الجامع ج ۱ ص٥١٧ . التبيان في تفسير القرآن ج ٣ ص : ٥٨٨). فنزل قوله عز وجل: [يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلَغَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن ربكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَفِرِينَ] (سورة المائدة الآية: ٦٧).
ومن القريب أن يكون المراد له (صلى الله عليه وآله) العصمة من خصوص قريش، دون غيرهم من الناس، لأنهم الذين يطمعون في الخلافة، ويصعب عليهم اختصاصها ببني هاشم، دون غيرهم.
ويناسبه ما عن حسان بن ثابت من أنه قال بعد أن أكمل النبي (صلى الله عليه وآله) خطبته يوم الغدير، وإعلانه ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام): ((ائذن لي يا رسول الله أن أقول أبياتاً)). قال: ((قل ببركة الله تعالى)). قال: ((يا معشر مشيخة قريش اسمعوا شهادة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثم قال:
يناديهم يوم الغدير نبيهم بخم وأسمع بالنبي مناديا
إلى آخر مقطوعته (المناقب للخوارزمي ص١٣٦ ، واللفظ له. الأمالي للصدوق ص : ٦٧٠. الإرشاد ج ١ ص: ۱۷۷ . وغيرها من المصادر).
وقد ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله) كثيراً التأكيد على أنه في تنويهه بمقام أهل بيته لا يحابي قرابة، بل يتبع الوحي. حيث يكشف ذلك عن توقع رميه من قبل الحاسدين والمنافقين بالانحياز العاطفي لأهل بيته (عليهم السلام). وقد صرح بذلك بألم بالغ في خطبة الغدير المشار إليها آنفاً.
خاتم النبيين (صلى الله عليه وآله) ص188ــ ص190
اية الله العظمى السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم (قدس سره)