أنه يوجد في بعض زوايا التاريخ ما يشهد بأنه (صلوات الله عليه) لم يكن في مقام تحري مظان السلامة، بل كان مصراً على السير في طريقه إلى مصرعه الذي يعرفه، وحيث انتهى وقتل.
فهو (عليه السلام) وإن كان يؤكد على الحذر من أن يقتل في مكة المكرمة، لئلا يكون
هو الذي تنتهك به حرمتها، إلا أنه لم يعرج على ما أشار به غير واحد ـ كما يأتي ـ من الذهاب إلى اليمن، ولم يناقش وجهة نظرهم، بل توجه للعراق.
وفي أول الطريق لقيه الفرزدق، فسأله (عليه السلام) عن خبر الناس، فقال: ((الخبير سألت. قلوب الناس معك، وسيوفهم مع بني أمية، والقضاء ينزل من السماء،
والله يفعل ما يشاء)).
فقال (صلوات الله عليه): ((صدقت. لله الأمر يفعل ما يشاء، وكل يوم ربنا في شأن. إن نزل القضاء بما نحب فنحمد الله على نعمائه، وهو المستعان على أداء الشكر. وإن حال القضاء دون الرجاء فلم يعتد من كان الحق نيته، والتقوى سريرته)) (تاريخ الطبري ج : ٤ ص : ٢٩٠ أحداث سنة ستين من الهجرة: ذكر الخبر عن مسير الحسين (عليه السلام) من مكة متوجها إلى الكوفة وما كان من أمره في مسيره، واللفظ له. الكامل في التاريخ ج : ٤ ص : ٤٠ أحداث سنة ستين من الهجرة : ذكر مسير الحسين (عليه السلام) إلى الكوفة. البداية والنهاية ج: ٨ ص : ١٨٠ أحداث سنة ستين من الهجرة: صفة مخرج الحسين إلى العراق. الفتوح لابن أعثم ج : ٥ ص: ٨٠ ذكر مسير الحسين (عليه السلام) إلى العراق. الإرشاد ج: ۲ ص: ٦٧. مقتل الحسين للخوارزمي ج:۱ ص:٢٢٣ الفصل الحادي عشر في خروج الحسين من مكة إلى العراق. وغيرها من المصادر)
ولم يحمله ذلك على أن يعيد النظر في أمره، ويراجع حساباته، ويتلبث حتى تنجلي الأمور، ويتضح موقف الناس، وموقف شيعته ـ الذين كاتبوه ـ بعد ولاية ابن زياد على الكوفة واستلامه السلطة فيها.
وحتى بعد أن بلغــه ـ قبل التقائه بالحر وأصحابه ـ خذلان الناس له، ومقتل مسلم بن عقيل (عليه السلام) وهاني بن عروة وعبد الله بن يقطر (رضي الله عنهما)، وإحكام ابن زياد سيطرته على الكوفة لم يثنه ذلك عن المضي في طريقه.
كما ورد أنه لما بلغه مقتل مسلم بن عقيل (عليه السلام) وهاني بن عروة استرجع، وترحم عليهما مراراً، وبكى (تاريخ الطبري ج: ٤ ص: ٢٩٩ أحداث سنة ستين من الهجرة: ذكر الخبر عن مسير الحسين (عليه السلام) من مكة متوجهاً إلى الكوفة...)، وبكى معه الهاشميون، وكثر صراخ النساء حتى ارتج الموضع لقتل مسلم، وسالت الدموع كل مسيل(اللهوف في قتلى الطفوف ص: ٤٥). وقال (صلوات الله عليه): ((رحم الله مسلماً، فلقد صار إلى روح الله وريحانه وتحيته وغفرانه ورضوانه. أما إنه قد قضى ما عليه، وبقي ما علينا (مقتل الحسين للخوارزمي ج: ۱ ص: ۲۲۳ الفصل الحادي عشر في خروج الحسين من مكة إلى العراق، واللفظ له. الفتوح لابن أعثم ج: ٥ ص: ۸۰ ذكر مسير الحسين (عليه السلام) إلى العراق. الفصول المهمة ج: ٢ ص: ۷۷۳ الفصل الثالث في ذكر الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهما السلام): فصل في ذكر شيء من محاسن كلامه وبديع نظامه (عليه السلام). مطالب السؤول في مناقب آل الرسول ص: ٣۹۰ الفصل الثامن في كلامه (عليه السلام). اللهوف في قتلى الطفوف ص: ٤٥ خروج الحسين من مكة إلى العراق. وغيرها من المصادر).
بل لما وصلته (عليه السلام) رسالة ابن الأشعث يخبره عن لسان مسلم بن عقيل بما آل إليه أمره، ويطلب منه الرجوع، لم يزد على أن قال: ((كل ما حمّ نازل. وعند الله نحتسب أنفسنا وفساد أمتنا)) (تاريخ الطبري ج: ٤ ص: ٢٩٠ أحداث سنة ستين من الهجرة: ذكر الخبر عن مراسلة الكوفيين الحسين (عليه السلام) للمسير إلى ما قبلهم وأمر مسلم بن عقيل، واللفظ له الكامل في التاريخ ج: ٤ ص: ٣٣ أحداث سنة ستين من الهجرة: ذكر الخبر عن مراسلة الكوفيين الحسين بن علي ليسير إليهم وقتل مسلم بن عقيل. البداية والنهاية ج: ۸ ص: ۱۷۱ أحداث سنة ستين من الهجرة: قصة الحسين بن علي وسبب خروجه من مكة في طلب الإمارة ومقتله. وغيرها من المصادر)، واستمر في سيره.
فاجعة الطف (أبعادها. ثمراتها. توقيتها)، ص28، 29
اية الله العظمى السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم (قدس سره)