أولهما: أن التخطيط لها كان بشرياً، وأن الإمام الحسين (صلوات الله عليه) قد خطط للنهضة وفق قناعاته وحساباته المادية، من أجل الاستيلاء على السلطة. وكان لمزاجيته في التعامل مع الأحداث، وموقفه الحدّي الانفعالي من خصومه عامة، ومن يزيد خاصة، أعظم الأثر في ذلك.
بل قد يظهر من بعضهم أن ذلك قد أفقده النظرة الموضوعية في تقييم الظروف المحيطة به، والموازنة بين القوى التي له والتي عليه. وأنه قد اغتر بمواعيد من كتب له من أهل الكوفة، أو انخدع بنصيحة ابن الزبير له بالخروج (تاريخ دمشق ج: ١٤ ص: ٢٣٩ في ترجمة الحسين بن علي بن أبي طالب. تهذيب الكمال ج: ٦ ص: ٤٤٠ في ترجمة الحسين بن علي بن أبي طالب. ترجمة الإمام الحسين ـ عليه السلام ـ من طبقات ابن سعد ص: ٨٦ ح:۲۹۹)، ليخلو له الحجاز.
وعلى كل حال فهو (عليه السلام) عند أهل هذا الاتجاه قد حاول بخروجه تنفيذ مخططه في الاستيلاء على السلطة، إلا أنه لم يتسن له ما أراد، لخطئه في تقييم الأوضاع التي عاشها، ولحزم خصومه وصرامتهم، وخيانة من دعاه وتعهد بنصره من أهل الكوفة، حتى انتهى الأمر إلى قتله وقتل من معه، والإجهاز على مشروعه. كما توقع ذلك كثير من أهل الرأي والمعرفة. وقد نصحه كثير منهم ـ من أجل ذلك - بعدم الخروج.
وهذا هو الذي يظهر من كثير ممن تعرض لنهضة الإمام الحسين (صلوات
الله عليه) من الجمهور.
نظرية أن التخطيط للواقعة إلهي
ثانيهما: أن التخطيط لها إلهي، وأن الله سبحانه وتعالى قد عهد للإمام
الحسين (صلوات الله عليه)، وأمره ـ عن طريق النبي (صلى الله عليه وآله)- بتنفيذ مشروع ينتهي باستشهاده واستشهاد من معه، وجميع ما حدث من مآس وفجائع.
وكان له (عليه السلام) بما يمتلك من مؤهلات ذاتية وشخصية ـ الدور المتميز في تنفيذ المشروع المذكور وفاعليته، وتحقيق أهدافه السامية.
كل ذلك لمصالح عظمى تناسب حجم التضحية وأهميتها، قد علم الله عزّ وجلّ بها. وربما ظهر لنا بعضها.
وقد نجح (صلوات الله عليه) في مشروعه، وحقق ما أراد، وتكلل سعيه بالنجاح والفلاح، وكان عاقبته الفتح المبين.
وأن من أشار عليه بعدم الخروج قد خفي عليهم وجه الحكمة، كما خفي على المسلمين وجه الحكمة في صلح الحديبية، فاستنكروه على النبي (صلى الله عليه وآله)، وكما خفي على كثير من أصحاب الإمام الحسن (صلوات الله عليه) وغيرهم وجه الحكمة في صلحه لمعاوية، فأنكروا عليه ... إلى غير ذلك من الأمور الغيبية التي قد يخفى وجهها. والناس أعداء ما جهلوا. بل قد يكونون معذورين لجهلهم.
ونحن الشيعة - حيث كنا نؤمن بعصمة الإمام الحسين وسائر الأئمة (صلوات الله عليهم) ـ لابد من أن نتبنى التفسير الثاني للنهضة المباركة، ولجميع ما صدر من الأئمة (صلوات الله عليهم) في التعامل مع الأحداث.
فاجعة الطف (أبعادها. ثمراتها. توقيتها)، ص13 ـ ص15
اية الله العظمى السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم (قدس سره)