عنصر الإبهام حتى لحظة التصريح بواقعة الغدير
2023-07-19

أن النبي (صلى الله عليه وآله) حافظ على إبهام مقصده بالخطاب وغايته إلى آخر لحظة أبداها فيها، وعنصر الإبهام بما يثيره من التساؤل يوجب الحرص على الاطلاع ويؤدي إلى الاستعداد النفسي لتلقي أمر صعب وثقيل، وعندما يكون المقصود غير متوقع فإنه يمنع من لا يطيقه أن يتهيأ لرد فعل على الخطاب.

وقد عُلم من سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) أنه يستعين بعنصر الإبهام في حركاته ولا يبين مقاصده الحساسة إلا في وقتها، أو حتى تتضح بنفسها للناس.

ومن مصاديق ذلك عدم إفصاحه (صلى الله عليه وآله) عن جهة تَحرُّكه غالباً لمن كان معه من الناس.

ومن أمثلة ذلك أنه (صلى الله عليه وآله) ترك عليا في المدينة في غزوة تبوك ولم يصحبه كما هو عادته في غزواته، ولما طعن المنافقون على الإمام (عليه السلام) بذلك تأذى وجاء يبكي إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال (صلى الله عليه وآله) له: (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي ) (صحيح البخاري : ٤ / ۲۰۸ ، 5/129 ، صحيح مسلم 7/120، المصنف الصنعاني: 5/406 ، السيرة الحلبية : 3/104، سبل الهدى والرشاد 5/441)، وفي هذا الكلام دلالة ذكية على سبيل اللحن والتورية على أنّه إنّما أراد أن يخلف رجلاً قوياً يقوم مقامه في المدينة خشية إثارة الجاهلين - من المنافقين المتخلفين في غزوة تبوك - الفتنة، كما خلف موسى هارون في قومه خشية إثارة الفتنة في غيابه، كما جاء في الآية الكريمة في قوله تعالى: [وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتممْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبيلَ المُفْسِدِينَ] (سورة الأعراف آية ١٤٢)، ولعلّ هذا هو الذي أثار المنافقين، فطعنوا في الإمام علي (عليه السلام) بأن الرسول (صلى الله عليه وآله) ولم يصحبه كما يفعل من قبل، ولم يوضح النبي (صلى الله عليه وآله) غرضه توضيحاً يفهمه الجميع.

 وقد يقول القائل: ولماذا خلف النبي (صلى الله عليه وآله) هذه المرة علياً (عليه السلام) على المدينة، وهو في سائر غزواته لم يخلفه فيها، بل كان صاحب رايته ؟

والجواب: أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) اصطحب في هذه الغزوة كل من وجد مركباً وسلاحاً، لاهتمامه بتكثير العدد في مقابل الروم الذين كان جنودهم تبلغ المائة ألف، ولذلك بلغ عدد المسلمين ثلاثين ألفاً، فخلت المدينة عن الرجال عدا من كان عاجزاً أو لم يجد ما يحمله النبي (صلى الله عليه وآله) عليهم وعدا جماعة من المنافقين، ويبدو أن المنافقين كانوا نشطين جداً في تلك الفترة، كما يظهر من آيات سورة التوبة التي نزلت بهذا الشأن هذا من جهة.

ومن جهة أخرى: فإنّ هذه الغزوة لم تكن قتالية، فلم يقاتل المسلمون فيها، بل كانت هذه الغزوة لمجرد إظهار هيبة المسلمين في مقابل الروم كي لا يظنوا أن العرب بعد الإسلام جماعات متفرقة كما كانوا قبله فيحتقروهم ويعتدوا عليهم، وكان النبي (صلى الله عليه وآله) يعلم بذلك، لكنه لم يكن يريد أن يخبر الناس بذلك خشية أن يبلغ العدو، وربما نظر إلى أن يتميز المنافقون الأشد نفاقاً (كان ممن صحب الرسول (صلى الله عليه وآله) جمع من المنافقين كما يعلم مما ذكر في السيرة، وكانوا يبثون الإشاعات المثبطة والمشككة في شأن النبي (صلى الله عليه وآله)، وقد سعى جماعة منهم وهم الملثمون إلى قتل النبي (صلى الله عليه وآله) بدفعه من أعلى العقبة ليسقط في الوادي فلم ينجحوا في ذلك)، ولا يفقد المسلمون الإرادة القتالية، إلا أنه لم يفصح عن ذلك، فهو (صلى الله عليه وآله) كان يستعين على مقاصده بالإبهام.

 



واقعة الغدير ( (1) ثبوتها ودلالاتها)،  ص 151 ــ ص 153

السيد محمد باقر السيستاني