مؤشرات بُعد المجتمع الشيعي عن الوهم والخرافة في أمر وجود إمام غائب في سلسلة الأئمة القادة من أهل البيت (عليهم السلام)
2023-07-06

هذا، ولم يكن يقتصر الوعي والتعقل والتبصر على أهل العلم منهم بل كان في الوسط العام من هو كذلك، بمعنى أنهم لم يكونوا يقتنعون بالشبهة ولا يتسرعون إلى الثقة بكل قائل وناقل، ولا يستجيبون للأحاسيس والانفعالات، بل يبحثون عن الحقيقة على أحد وجهين..

١ - إما على وجه مباشر، فيفدون على أهل البيت (عليهم السلام) بعد استشهاد الإمام السابق، ويتحرون الحقيقة منهم (عليهم السلام).

 ٢ - وإما بالاعتماد على من يثقون به من أهل العلم من الشيعة ممن محّصوه واختبروه وعرفوا عنه طلب الحقيقة لنفسه ولأهله حتى يدين بها في ما بينه وبين الله تعالى، علماً أن عامة أهل العلم في زمان أئمة أهل البيت (عليهم السلام) لم تكن وراءهم غايات سياسية واجتماعية واقتصادية تدفعهم لاتباع الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام)، لعدم سعي الأئمة (عليهم السلام) إلى الخروج والثورة والقيام كي يرجى الوصول من خلال الانتماء لهم إلى شيء، ولا كانوا أصحاب أموال فيسعى لهم لأجل أموالهم، ولا كان جمهور المجتمع العام - سواء من المسلمين أو من سائر فرق الشيعة - تتقبل اعتقادهم، بل كان الأمر بالعكس فقد كان هذا الانتماء موجباً لريبة السلطة وسخطها عليهم بما يقتضي حذرهم وتضييقهم على أنفسهم.

وقد كان أئمة أهل البيت (عليهم السلام) - بدءاً من الإمام علي (عليه السلام) - يوصون الشيعة دائماً بالتبصر في الشبهات والفتن، وعدم اعتماد الخروج والثورة مقياساً للإمامة الحقة، وعدم التسرع في الانطواء تحت الرايات المرفوعة والدعاوى المطروحة في المجتمع العام.

ولا يعني ما ذكرنا تزكية الشيعة الإمامية جميعاً، بل المراد عدم ابتناء هذا المذهب على التظني والحدس والخرافة والوهم والتسرع، بل كان مبنياً على التبصر والتثبت والتأكد والتسليم لأهل البيت (عليهم السلام).

لذا فما ذكرناه لا ينفي وجود ضعفاء في الشيعة وفي أهل العلم والمؤلفين منهم، حيث لا يخلو أي دين أو مذهب من ذلك ولو كان - الدين أو المذهب - حقاً، كما لا ينفي أيضاً وجود أشخاص موثوقين في أنفسهم بين المحدثين كانوا يتوسعون في الاعتماد على ما لا ينبغي الاعتماد عليه، ويسترسلون في الأخذ بالأحاديث ثقة ببعض الرجال، فذلك طبيعي أيضاً، وليس بضائر بمتانة المنهج العام الذي يبتني عليه هذا الكيان الاعتقادي على الإجمال.





منهج البحث والتحري في شأن الإمام المهدي (عليه السلام)، ج١، ص154، 155

السيّد محمّد باقر السيستاني