أن الشيعة الإمامية كانوا أهل تعقل وثقافة وعلم وفقه وتأمل، ولم يكونوا أهل أساطير وخرافات وأوهام، بمعنى وجود وسط واسع في خاصتهم وعامتهم كانوا أهل تعقل وتبصر وعلم وثقافة في الدين.
وهذا الأمر طبعاً يمنع من الإيمان بولد مختلق للإمام الحسن العسكري (عليه السلام) من قبل بعض الغلاة والكذابين، فإن كانوا قد آمنوا بوجود ولد مستتر للإمام (عليه السلام) فلا محالة يكون ذلك من جهة وجود أدلة مقنعة وموثوقة عليه.
وهذا الوصف للشيعة يظهر..
أولاً: بالوقوف على الأبحاث الدائرة بينهم في أوساطهم عند اختلافهم في الرأي، ومع مخالفيهم في علم الكلام والعقائد، فلا يشبه طابعهم طابع الفِرق التي تؤمن بالأمور الخرافية والواهمة بحالٍ.
وقد يشهد المرء في بعض الفِرق أنها في مرحلة تأسيسها قد بُنيت على الخرافات والأوهام، ثم صارت تلك الأوهام أصلاً يدافع عنه لاحقاً حتى من الذين تظهر عليهم علامات التعقل والتبصر والثقافة والعلم، ولكن في غير الأصول التي صارت مسلّمة لديهم.
ولكن هذا الوصف لا ينطبق على الشيعة الإمامية، فإن الاطلاع على تراثهم ومناقشاتهم المحفوظة منذ عصر أئمة أهل البيت (عليهم السلام) سواء مناقشاتهم مع الأئمة (عليهم السلام) أو التي جرت في ما بينهم ـ خاصةً في الصادقين (عليهما السلام)، وما بعده حتى انتهاء الغيبة الصغرى - يعكس بوضوح أن صفة البحث والتعقل والتأمل لم تكن طارئة عليهم، بل كانت جارية لديهم حتى في شأن مبدأ الإمامة وتطبيقاتها.
وثانياً: بالالتفات إلى سيرتهم في شأن الإمامة وتحديد الإمام، فقد ابتعدوا في كل مرحلة عن الأمور الواهمة والانفعالية وانفصل عنهم من كان يغلب عليه طابع قبول الوهم أو الانفعال، فهم في شأن الخلافة بعد النبي (صلى الله عليه وآله) وموقع أهل البيت (عليهم السلام) لم يعرفوا الحق بالرجال بل آمنوا بالأئمة المنصوصين من أهل البيت وهم الإمام علي والحسن والحسين (عليهم السلام)، ثم لم يقعوا في فخ الغلو في شأن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وتوهم غيبته بعد شهادته، ولا توهموا عموماً إذلال الحسن (عليه السلام) للدين بالصلح، ولا تخيلوا غيبة الإمام الحسين (عليه السلام) عند شهادته.
وبعد الحسين (عليه السلام) لم يحددوا المسيرة على أساس الانفعال الثوري أو الإشاعات، ولا وقعوا في فخ الحركات التي ادّعت الإمامة في غير أهل البيت من العلويين كابن الحنفية وابنه أبي هاشم ومن ادعى الوصية عنه كما وقعت الكيسانية وغيرهم في ذلك، ولذلك آمنوا بالإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) وكان أفضل أهل البيت (عليه السلام) بعد أبيه الحسين.
وآمنوا بعده بابنه الإمام الباقر (عليه السلام) دون الخطوط الأخرى التي نشأت بعد الحسين (عليه السلام)، كالكيسانية والغلاة وغيرهم.
ثم من بعده آمنوا بابنه الإمام الصادق (عليه السلام) دون النظر إلى الاتجاه الثوري الذي تبناه بعض العلويين، حيث إنّ الإمامية لم يقولوا بإمامة زيد حتى مع حسن الظن به.
منهج البحث والتحري في شأن الإمام المهدي (عليه السلام)، ج١، ص151، 152
السيّد محمّد باقر السيستاني