تشرفت بقعة النجف الأشرف باحتضان العديد من المعالم المقدسة والأماكن التاريخية والأثرية. بيد أن معلمها المقدس الأهم هو الحرم العلوي المطهر، وهـو ما دعاني لأن أفرد له مكانة خاصة، ومساحة أوسع تتناسب ومكانته وقدسيته وكثرة زوار أميره أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، الذين يتجاوزون الملايين هذه السنوات في بعض الزيارات الخاصة، لما للزيارة عند المسلمين وعند الشيعة بالأخص من حضور روحي محبب.
يقول أبناء النجف وزواره إن الروحانية الكبرى للمزور وصفاء ونقاء سريرته المعجز وصفاته القدسية التي هي دون صفات الخالق وفوق صفات المخلوق المتعارف تفيض على نفسية الزائر، فتكتسب منهـا مـا تكتسب لتطمئن بعد اضطراب، ولتسعد بعد شقاء، وترجو بعد قنوط، وتشرق بعد تجهم، وربما يحصل ذلك الإنعاش الروحي بمجرد تصور نفسية المزور واستعراض صفاته الممتازة في طواف حول تلك الشخصية الروحية طوافـا ذهـنـيـا بـدون خصوصية للمكان، ولكن الشيعة لا يكتفون بذلك، بل لا تعد الزيارة الروحية زيارة إلّا إذا كانت عند تربة المزور، ويركزون عملهم هذا على ركيزتين:
إحداهما قوله تعالى: [وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتَا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ] (سورة آل عمران آية:169) فهم يعتقدون أن أرواح المؤمنين لها الحياة ولها الخلود لا تموت ولا تتلاشى.
وثانيتهما: أن بين الروح والجسد اتصالا وارتباطا فهما متصلان منفصلان، وأن للروح على تربة المدفون انعكاسا مثل الزجاجة والنور، فروح ذلك العظيم متصلة بمشهده، ومن يحظ بذلك المشهد يدركها إدراكا روحيا، فيحظ ويتنـور ببعض الأضواء، ويرجع إلى أهله وفي نفسه قبس من النور المقدس (الاحلام. سابق:145).
ولذلك وغيره فإن الحضرة العلوية تضج بدعوات المؤمنين ومناجاتهم في آناء الليل وأطراف النهار، وخاصة في أسحار شهر رمضان المبارك شوقا لله عز وجل، وتقربا إليه، وبكاء وتضرعا بين يديه، وولها وحبا وولعا بذكره ودعائه. والشواهد على ذلك حية وكثيرة لا مجال لذكرها غير أن ذلك لا يعفينـي مـن ذكــر شــاهد واحد عليها ذلك هو ما رواه المرجع الشيخ محمد حسن المامقانيت (سنة ١٣٢٣هـ/ ١٩٠٥م) بقوله: تشرفت سحر ليلة من ليالي شهر رمضان إلى الحرم العلوي الشريف على صاحبه آلاف التحية والثناء، وهو مكتظ بالمصلين لصلاة الليل وغيرها، فكان أن عددت منهم أكثر من خمسين مصليا ممن يقرأ دعاء أبي حمزة الثمالي رحمه الله (دعاء ابي حمزة الثمالي دعاء مروي عن الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ يعد من أطول أدعية الذكر والمناجاة عند عموم المسلمين) في قنوت صلاة الوتر عند رأس مولى الموحدين أمير المؤمنين (عليه السلام) عدا من كان يقرؤه من كتب الدعاء (مخزن المعاني في ترجمة المحقق المامقاني: 33 هامش رقم: 1) هذه هي الزيارة، وهذه هي آثارها الروحية والنفسية الكبيرة.
ثم إذا كانت للزيارة هذه الآثار الروحية فكيف إذاً بقصد المجاورة للمشاهد المقدسة وما يصاحب المجاورة من بركات.
النجف الاشرف وحوزتها، ج1، ص97، 98
تأليف الدكتور عبد الهادي الحكيم