الظواهر اللامركزية في المجتمع الشيعي التي ادت بعدم الايمان بوجود الإمام المهدي (عليه السلام)
2023-05-04

الظاهرة الأولى: اللامركزية لدى الشيعة في ما دون الإمام (عليه السلام).

 إن المركزية الشديدة في شخصٍ ما في الطائفة الدينية يمكن أن تساعد على إذعان العامة من تلك الطائفة بوهم من هذا القبيل، كما لو كان هناك نائب لقائد من سلسلة قيادية مذهبية وقد توفي هذا القائد دون خلف من نسله، ولم يكن من المعقول وفق جمهور هذا المذهب أن يلي القيادة نائب لا ينتمي إلى تلك السلسلة القيادية، فيضطر ذلك النائب إلى ادعاء وجود ولد مخفي للقائد يتصل به وينقل الرسائل إليه. وعليه: فلو كان هناك نائب مهيمن على من دونه في إطار ذلك المذهب، ويتأتى له أن يفترض الأمور كما يشاء، مع وجود تقديس وتصديق وحسن ظن به، أمكن أن يتفق مثل هذا الأمر.

ومن هنا فلو كان الأمر بعد الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) في المجتمع الشيعي الإمامي القائل بإمامته وإمامة آبائه يتسم بمركزية قوية جداً لشخص أو لعدة أشخاص محدودين ومتفاهمين ومسيطرين على موضع قيادة ذلك المجتمع أمكن حينها أن يُفرض اتخاذ قرار باختلاق ولد مستتر للإمام (عليه السلام)، سعياً منهم لتبوء موضع القيادة في المجتمع والحفاظ على عقيدة الجمهور الشيعي بالإمامة بعد انقطاعها عملياً.

والحق أن هذا أمر غير حاصل، فالمجتمع الإمامي منذ تكونه ثم توسعه في عصر الصادق (عليه السلام) واتساعه التدريجي حتى نهاية الغيبة الصغرى في سنة (۳۲۹هـ) كان يتألف من أعداد كبيرة من العلماء وطلبة العلم من المحدثين والمتكلمين متفرقين في البلاد المختلفة ابتداءً من الكوفة ـ التي هي الحاضرة الأولى للتشيع بعد وفود الإمام علي (عليه السلام) إليها وخطبه فيها عن اصطفاء أهل البيت (عليهم السلام) في هذه الأمة - ثم سائر البلاد من بغداد وواسط والبصرة والموصل والمدينة ومكة واليمن وبلاد فارس وخاصةً قم التي أصبحت كوفة صغرى في أواخر القرن الثاني وما بعده وكذلك الري ونيسابور وبعض بلاد المغرب العربي.

وكان الشيعة متعددي الأفكار والأعراق والبلدان والقبائل، فتجد فيهم المحدثين والمتكلمين، وتجد فيهم العرب والعجم، وتجد فيهم الكوفيين والبغداديين والقميين والرازيين وغيرهم، وتجد العرب فيهم من قبائل شتى من اليمانية والقيسية وغيرهم. وكان في الكوفة ـ التي هي عاصمة التشيع - منذ عصر الصادق (عليه السلام) علماء عدّة يتفاضلون في مستوياتهم العلمية، وحول كل واحد منهم جماعة من المتعلمين، وكان لهم مذاقات مختلفة في أمور كلامية وفقهية وغيرها.

 وهذا المعنى أمر واضح وبديهي من خلال التراث الإمامي.

ولذلك من الواضح أنه لم تكن هناك مركزية في المذهب الإمامي إلا لأئمة أهل البيت (عليهم السلام)، ولم يكن هناك أي جامع بين هذا المجتمع عدا الولاء للإمام (عليه السلام) والأخذ بكلامه وبالأحاديث الموثوقة عنه وعن آبائه، ولم تكن هناك أية شخصية علمية أو روحيّة مهيمنة على المجتمع الشيعي بحيث تكون مؤثرة فيهم جميعاً ويكونون طوع أمرها وتعليمها وتوجيهها في غياب الإمام.




منهج البحث والتحري في شأن الإمام المهدي (عليه السلام)، ج١، ص 130، 132

السيّد محمّد باقر السيستاني