إن من أهم العناصر الدخيلة في فهم الموقف الصحيح هو القدرة على استنطاق الكلام وفهم زواياه وملائماته، ونُعبّر عن ذلك بفهم ملاحن الكلام ومعاريضه. فخصائص الكلام وأساليبه عناصر معبّرة عن تحديد مدلول الكلام عندما تعرض الشبهة والإبهام، لأنّ انتقاء المفردات والأساليب تأتي بطبيعة الحال ملائمة لغرض المتكلم ما لم يرتبك في الأداء.
وباب ملاحن الكلام ومعاريضه لهو باب معروف في الأدب العربي (لاحظ: المزهر في علوم اللغة للسيوطي، النوع ٣٩).
والمراد بلحن الكلام خصائصه المعبرة عمّا وراءه من المقاصد والغايات وهو ما يظهر عند العدول والميل في صياغة الكلام عن الأسلوب المسترسل والمعتاد، كأن يقول القائل قولاً يترك فيه التصريح إلى التعريض والإبهام، يقال:(لحنت لفلان) إذا قلت له قولاً يفهمه عنك وقد يخفى على غيره، قال ابن دريد في كتاب الملاحن: (اللحن عند العرب الفطنة، ومنه قول النبي (صلى الله عليه وآله): لعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته..) ( لاحظ مثلاً: : صحيح البخاري: 3/١٦٢)، أي أفطن لها وأغوص فيها، وذلك أنّ أصل اللحن أن تريد شيئاً فتوري عنه بقول آخر).
والظاهر عدم اختصاص معنى اللحن في اللغة بالتورية، بل يعم كل خصوصية في الكلام تعبّر عند التفطن لها عن معنى دقيق، ومنه قول الله سبحانه لرسوله عن المنافقين: (أمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَاتَهُمْ * وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتُهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ) (سورة محمد آية ۲۹ - ۳۰)، فالمراد أن نواياهم التي يضمرونها تظهر على خصوصيات أقوالهم وكلماتهم، ومن ذلك ما عن النبي (صلى الله عليه وآله) في المتخاصمين : (إنما أنا بشر وأنكم تختصمون ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض وأقضى له على نحو ما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذ فإنما أقطع له قطعة من النار ) (صحيح البخاري:8/٦٢، ولاحظ المبسوط (الطوسي):8/٢٥٦) ، فالمراد هو أن يصوغ المرء كلامه على نحو تتم الحجة له، ولا يعطي مأخذاً لخصمه.
واقعة الغدير ( (1) ثبوتها ودلالاتها)، ص133 ــ ص 135
السيد محمد باقر السيستاني