إنه في ضوء المقدمة التي ذكرناها عن ضرورة المقدرة على التحليل الاجتماعي والسياسي على نحو ملائم يمكن أن نلتفت إلى أن واقعة بحجم واقعة الغدير في مضمونها وتوقيتها - قبيل وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) - وفي ملابساتها ليست بالأمر الهيّن ولا اليسير، ولا يمكن تفسيرها أبداً بتفسير غير سياسي بتاتاً.
فالنبي (صلى الله عليه وآله) هو القائد السياسي للأمة، والإمام علي (عليه السلام) الذي تدور الخطبة حوله هو وزير النبي (صلى الله عليه وآله) منذ بعثته وما بعدها قد اعتبره أخاه، ولم يجعله تحت قيادة غيره أبداً لا قيادة مدنية ولا قيادة عسكرية، ولا قرنه بآخرين بتاتاً، بل قرنه دوماً بنفسه وتآخى معه حيث آخى بين الآخرين، وهو القائد العسكري الظافر دوماً، والذي أثنى عليه ثناءً مميزاً، وقد خصّه بالزواج من ابنته، وبأمور أخرى تترى في السيرة النبوية.
وفي هذه الواقعة التي كانت قبيل وفاته (صلى الله عليه وآله) بشهرين وعدة أيام أوقف (صلى الله عليه وآله) جموع الحجاج وأخذ بيد علي (عليه السلام) ليروه جميعاً، وذلك ليخطب في شأن الإمام (عليه السلام) وأهل البيت (عليهم السلام) خطبة خاصة به تعقد له (عليه السلام) الولاء وتنيط بهم (عليهم السلام) الهدى، وقد مهّد للقول بنعيه نفسه إلى المسلمين ليشير بذلك إلى المستقبل بعده، ثمّ تطرق في الفقرة التأسيسية الأولى لوجوب التمسك بالثقلين الكتاب والعترة في معرفة الحق والباطل والهدى والضلال، وأنهما لن يفترقا أبداً، وقد قرن أهل البيت (عليهم السلام) في هذا السياق بالقرآن الكريم الذي هو الرسالة الإلهية المقدسة، وكان (صلى الله عليه وآله) قد أكّد في نصوص سابقة متفق عليها على مكانة أهل بيته (عليهم السلام)، فهل يلائم ذلك نصب أهل البيت (عليهم السلام) مناراً للأمة وتمييزهم عن سائرها بالعناية الإلهية الخاصة والتسديد التام عن الزيغ والضلال، أم ينسجم مع ما يجري عليه أغلب المسلمين من البناء على أنّ حال أهل البيت (عليهم السلام) حال سائر الأمة، فمنهم من يضلّ كما أنّ منهم من يهتدي هدي المجتهد الذي يصيب ويخطئ، وإنّما مفاد الحديث إيجاب مودتهم على الأمة فحسب؟.
واقعة الغدير ( (1) ثبوتها ودلالاتها)، ص124 ــ 125
السيد محمد باقر السيستاني