حول أثر اكتشاف العوامل الطبيعية للحوادث والأشياء الإذعان بالصانع القدير:
لقد استطاع الإنسان ـ خصوصاً في العصر الحديث ـ أن يكتشف كثيراً من العوامل المؤثرة في الحوادث والأشياء التي كان يجهل سببها من قبل، وربما كان ينسبها إلى الفعل المباشر من الخالق، ولكن بان الآن أن أسبابها طبيعية، وقد تمكن الإنسان تحقيق إنجازات صناعية كبيرة في استثمار تلك السنن والعوامل على ما نشهده في الثورة الصناعية والزراعية الكبرى، فهل في ذلك ما يضعف الإيمان بالخالق؟ الجواب: أنه لا شك أن الكون مبني على نظام الأسباب والمسببات، فهناك سنن كونية فاعلة تؤدي إلى نتائج مناسبة لها في جميع مجالات الكون والحياة، وتلك حقيقة مشهودة للإنسان بشكل عام قبل الثورة العلمية الحديثة.
وقد نبّه الدين على كثير من تلك السنن وأناط حصول النتائج المتوقعة بالأسباب المناسبة، حتى أنه أثبت سنناً تاريخية واجتماعية للحوادث العامة نظير القاعدة الاجتماعية الواردة في بعض الآيات الشريفة، والتي يحسن استذكارها في الظروف الحالية التي نعيشها لصلتها بالمشاكل التي نكابدها، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: ۱۱)، ومضمون القاعدة أن الحدث الاجتماعي لن يحدث إلا بسبب اجتماعي وليس بسبب فردي، ولهذا فإن وجود فرد صالح وحكيم ومخلص أياً كان لن يؤدي إلى تغيير في الحياة الاجتماعية، وتحويلها إلى مناحي الصلاح والحكمة إلا بمقدار ما يستطيع هذا الفرد أن يؤدي إلى تغيير المجتمع.
إذن لا شك في حقيقة ابتناء الكون على نظام الأسباب والمسببات، وهي بديهة من بديهيات حياة الإنسان إلا في موارد خاصة يتوقع الإنسان فيها تدخل عنصر غيبي.
لكن ذلك لا ينفي دلالة الأشياء على وجود الله سبحانه وتجسيدها لقدرته وابداعه، لأن هذه السنن والنظم كلها أمور مجعولة أودعت في الأشياء وجبلت الأشياء عليها، ولم تكن لتحدث لو لا ترتيب الأشياء على وفقها، وترتيب كياناتها على أساسها.
أفي الله شكٌ (سلسلة محاضرات فكرية)، ص34 ــ ص36
السيد محمد باقر السيستاني