عناية الرسالات الإلهية بتحفيز فكر الإنسان
2023-04-09

لقد جاءت الرسالات الإلهية إلى الإنسان لغرض تحفيز إدراكه وإثارة السؤال في ذهنه عن مصدر هذا الكون والكائنات وسننها، فقد وهب الإنسان العقل والقدرة على التفكير، وهو وليد هذه البيئة وقوانينها، فهو يألفها ويعيشها ويأنس بها منذ كان؛ ولذلك فهو يحتاج - لكي يرتقي إلى السؤال عن أصل هذا المشهد ـ إلى شيء من التحفيز والإثارة، حتى يفكر في الأمر ويتأمله مليّاً، فإذا هو يجده واضحاً جداً، وكأنه كشف له الغطاء عن أمر يجده ولا يعيه.

ولهذا جاء في كلام الإمام علي (عليه السلام) في (نهج البلاغة) أن الله سبحانه أرسل الأنبياء لإثارة دفائن العقول ولفت الإنسان إلى دلالات الكون والكائنات على الصانع القدير قال (عليه السلام) يصف إرسال الأنبياء: (فَبَعَثَ فِيهِمْ رُسُلَهُ، وَوَاتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِيَاءَهُ، لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ، وَيُذَكَّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِهِ، وَيَحْتَجُوا عَلَيْهِمْ بِالتَّبْلِيغِ، وَيُثِيرُوا لهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُولِ، وَيُرُوهُمْ آيَاتِ المُقدِرَةِ: مِنْ سَقْف فَوْقَهُمْ مَرْفُوع، وَمِهَاد تَحْتَهُمْ مَوْضُوع، وَمَعَايِشَ تُحْيِيهِمْ، وَآجَال تُفنيهمْ، وَأَوْصَاب تُهْرِمُهُمْ، وَأَحْدَاث تَتَابَعُ عَلَيْهِمْ) (نهج البلاغة ج : ١ ص : ٢٣ - ٢٤).

إن الرسالات الإلهية التي أرسل الله تعالى بها رسله إلى الإنسان تهدف إلى إسعافه ليعرف آفاق الكون والحياة وما يغيب عن إحساسه - بحسب طبيعة وجوده - من وجود الله سبحانه وما يستتبع هذه الحياة من النشأة الأخرى.

ولهذا نجد الآيات القرآنية معنية بإثارة السؤال في ذهن الإنسان ولفت نظره إلى استنطاق الأشياء واستثارتها؛ لإدراك دلالتها وما يكون وراءها ـ كما لاحظنا مثلاً بديعاً لذلك في آيات سورة الرعد ـ، ومثلها كثير من آيات القرآن الكريم، فهي تساهم في نقل الإنسان إلى آفاق من التأمل والتفكير واستنطاق كل ما حول الإنسان عما وراءه بأسلوب مميز في المضمون والأداء بما يكفي لتحفيز ذهن الإنسان وانتقاله إلى

الصانع القدير.

ولذلك جاء في القرآن الكريم تعويل الرسل في أصل الإقناع بوجود الله سبحانه على دلالة الكون، كما قال سبحانه: [أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ * قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ]




أفي الله شكٌ (سلسلة محاضرات فكرية)، ص32 ــ ص34

السيد محمد باقر السيستاني