وإذا لاحظنا الأمور في زمان الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) نجد أن الإمام (عليه السلام) ـ بغض النظر عن أولويته بالأمر ـ قد انعقدت له الخلافة على أساس معترف به على وجه ظاهر للجميع حيث بايعه جمهور المهاجرين والأنصار من غير كره ولا إجبار، فكان المفروض أن يَسْلَم المجتمع عن الفتنة والشبهات.
ولكن أثار قوم من الخاصة الفتنة على أساس العصبيات القبلية والمطامع الخاصة، وهو أمر متوقع عموماً، ولكن الملفت اتباع جماعة من الناس لهم وقتالهم معهم ضد الإمام (عليه السلام) من دون تثبت على أساس العناوين الكبيرة.
فهذا طلحة والزبير وعائشة كانوا ممن حرّض على عثمان في المدينة من جهة
إيثاره لقومه بني أمية، وكان طلحة وعائشة من فرع آخر من قريش وهم بنو تيم، والزبير من فرع ثالث وهو فرع بني أسد، فلما تولّى الإمام (عليه السلام) بادرا إلى بيعته ظناً منهما ـ كما يبدو - أنّ السبق إلى البيعة يكون أقرب إلى المكافأة وأدنى إلى القيادة المقبلة، فلما خاب أملهما استأذنا الإمام (عليه السلام) في العمرة، ولحقا بالبصرة، وأخذا معهما عائشة، فرفعوا شعار مظلومية عثمان في البصرة، وعرّفا أنفسهما بأنهما صاحبا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهذه عائشة زوجته وأم المؤمنين.
وقد كان أهل البصرة عند قدوم هؤلاء عليهم خالي الذهن عما حدث في المدينة، ولكنّهم لم يتثبتوا بإرسال وفد إلى المدينة للتحقق من الموضوع، بل اعتمدوا على هذه العناوين الكبيرة، وقاتلوا من دونهم على أنهم يدافعون عن مظلومية عثمان، وأريقت منهم دماء كثيرة حفرت فيهم الولاء لعثمان وطلحة والزبير وعائشة، فإنّ الدم إذا أريق بحق كان أو بباطل يثبت اتجاه من أريق دمه في نفوس الناس، وكلّما خاطبهم الإمام (عليه السلام) وأوضح لهم الأمر لم يرفعوا اليد عنهم، إذ امتلأت أذهانهم من قبل بما قصّه طلحة والزبير وعائشة وتعاطفوا مع حديث مظلومية عثمان.
فهذه قضايا قد نجدها واضحة ونجد التحليل الاجتماعي والسياسي لهذه الفتنة سهلة وبديهية.
واقعة الغدير ( (1) ثبوتها ودلالاتها)، ص120، 121
السيد محمد باقر السيستاني