والقاعدة الثانية مراعاة مقتضى الحكمة، بمعنى أن يراعي الإنسان ما يحقق سعادته على وجه جامع وشامل للحال والمستقبل القريب والبعيد.
ومن منطلق هذه القاعدة يصح القول إن الشيء كلما كان أمسّ بسعادة الإنسان وشقائه كان أهم.
فزواج المرء أمر مهم، لأن الزوجين يعيشان حياتهما معاً، فلا بد من أن يسعى كل منهما سعياً أكيداً في أن يحسن اختيار الآخر، ضماناً لسعادة أكبر وأكثر وأدوم. وعمل الإنسان ومهنته أمر مهم، لأن الإنسان يزاوله ويرتزق منه طول عمره، فلا بد أن يختار مهنة مناسبة ينسجم معها ويسعد بها في حياته كلها. وتجنب المهلكات أمر مهم، لأنها تؤدي إلى فقدان المرء لحياته أو إعاقته إعاقة دائمة يضيق بها ذرعاً.
ومستوى أهمية الشيء في سعادة الإنسان وشقائه تابع لدوره فيهما كيفاً وكماً، والمراد بالكيف مستوى الحدث السعيد أو السالب للسعادة، كما أن المراد بالكم مدة استمرار هذا الحدث وبقائه، فمن الأحداث ما تتوقى مثلاً لأنها مؤلمة ولو لفترة قليلة، كما أن منها ما تتوقى لأنها وإن كان ألمها خفيفاً ولكنها سوف تستمر لمدة طويلة جداً.
وهذه القاعدة تنطبق في شأن الدين، لان الدين أهم الأمور في حياة الإنسان، فهو أحراها بالمعرفة والتحري.
وذلك لوجهين..
الوجه الأول: أن الدين يقتضي إناطة سعادة الإنسان وشقائه في ما بعد هذه الحياة - وهو أمد خالد ـ بتبصره وسلوكياته في هذه الحياة، وعليه يكون لكل سلوك إنساني تأثير خالد على حياة دائمة للإنسان فتكون هذه الحياة فرصة جد وامتحان واختبار للإنسان لا لهو ومتعة واسترسال.
وهذا التأثير ليس يسيراً وفق أنباء الدين لا من حيث الكيف ولا من حيث الكم، لأن آثار الأعمال في الآخرة أشبه بآثار المواد النافعة والضارة لجسم الإنسان، فكما أن دخول جرثومة ما في بدن الإنسان من خلال طعام غير صحي لم يتوقه الإنسان قد توجب مرضاً شديداً وطويلاً، والسلامة منها تضمن مناعة ونشاطاً مؤكداً ودائماً ومستمراً، فإن الأعمال الصالحة والأخرى الخاطئة تؤثر تأثيراً إيجابياً أو سلبياً على هذا المنوال، وما أعظم الخلود من معنى، فإن الإنسان كلما فكر فيه لم ينفد مغزاه ولم يصل إلى عمقه وكان محيّراً حقاً.
الوجه الثاني: أن الدين الحق يساعد الإنسان على السعادة (يلاحظ في تفصيل ذلك كتاب اتجاه الدين في مناحي الحياة، محور الدين والسعادة ص: ۳۷۱) في هذه الحياة من جهة تأمين الجوانب الروحية والمعنوية في الإنسان، كما يساهم في تأمين مناسب لمقومات السعادة المادية.
أهمية البحث عن الدين (سلسلة محاضرات فكرية)، ص27 ــ ص29
السيد محمد باقر السيستاني