إثبات البعد الروحي للإنسان وفق رؤية الدين
2023-03-30

بمعنى أن الإنسان ليس كائناً مادياً بحتاً - بما للمادة من معنى معروف وخواص محددة في علوم الطبيعة كالفيزياء والكيمياء ـ ، بل له بعد روحاني أرفع من المادة ملتئم مع البعد المادي ومتفاعل معه بحيث يكون أي نشاط روحي منعكساً بنحوٍ ما انعكاساً مادياً من خلال تغيرات فيزيائية وكيميائية في جسم الإنسان، فكما يؤثر قلق الإنسان على إفرازات كيميائية في الدماغ، كذلك النشاط الجسمي أيضاً ينعكس غالباً على الروح، كتأثير الأدوية الكيميائية على إزالة القلق.

 وهذه الخصلة لا يستبعد العقل والعلم ثبوتها للإنسان، بل هناك مؤشرات عديدة عقلائية وعلمية على إثباتها ...

 منها: الاختلاف الواضح بين طابع الإدراكات والعمليات الإدراكية من التجربة والتحليل والاستنباط والتخيل ونحوها وبين الطابع الكيميائي والفيزيائي للمادة وخصائصها المادية مثل الحرارة والصلابة والغليان وغيرها.

ومنها: أن التفاعلات الكيميائية المقرونة بالنشاطات الإدراكية النفسية إنما تحدث في عضو خاص وهو الدماغ، بينما تستند هذه النشاطات وجداناً إلى ذات الكائن، ومن ثم تُسنَد تلك النشاطات إليه، فيقال: (فرحت، وحزنت، وأدركت وفكرت) ونحو ذلك، ولا يقال: (فرح مخي..)، بل يقال: (إن مخي نشط نشاطاً كيميائياً متزامناً مع فرحي ) (نعم قد تستند بعض النشاطات المتحققة ببعض الأعضاء الأخرى إلى الكائن كما يقال ( ضرب ، وركض)، ولكن هذا الإسناد قد يكون بلحاظ دور الكائن من خلال الإرادة في حدوث هذه الأفعال، فلاحظ).

ومنها: أن الإرادة الحرة للإنسان لا تنسجم مع طبيعة المادة، لأن من طبيعتها أن تجري وفق سنن وقوانين تؤدي إلى نتائج معينة ،وحتمية فلو كانت إرادة الإنسان تابعة لتغييرات كيميائية في دماغه لم يكن معنى لحرية الإنسان في أن يفعل ما شاء - إلى شواهد أخرى شرحتها في بحث حقيقة الإنسان ـ (ينظر في ذلك (الأنباء الثلاثة الكبرى المعاد) ص: ۲۳۸ وما بعدها).

ومنها: أن طابع الضمير الإنساني وما يتضمنه من القيم هو طابع غير مادي، لأنه يناقض الأنانية والغرائز النفسية، فمن يضحي لأجل الآخرين ويؤثرهم على نفسه من غير طمع في أي مكسب مادي يعمل في الحقيقة عملاً يتجاوز به الاقتضاءات الغريزية المادية وينظر إلى أفق روحي راقٍ.

وقد يتفرع على هذه الخصلة ـ وهي وجود بعد روحي غير مادي للإنسان - ويؤشر عليها ظاهرتان ملحوظتان في الإنسان:

الظاهرة الأولى: نزوع الإنسان إلى ما وراء المادة وهذا شعور ملحوظ في تاريخ الإنسان والأقوام البشرية، حيث نجد إيماناً بوجود الإله، رغم الشكوك المطروحة في

وجوده وشيوع الأعمال المنفّرة في أوساط بعض أهل الدين، ورغم ان من الممكن مبدئياً تفسير هذا الشعور بتفسيرات نفسية أخرى مثل الافتراض النفسي الناشئ عن مشاعر الحاجة، ولكن قد يكون التفسير الأقرب لسعة هذه الظاهرة في المجتمع البشري وجود إلهام فطري في تكوين الإنسان بوجود الإله، فكأن الإنسان قد جُبل على الشعور بالإله، والتوجه إليه ومخاطبته ومناجاته، وبث همومه له، والالتجاء في حاجاته إليه، كما أُلهم الطفل مثل ذلك بالنسبة إلى والديه.

والظاهرة الثانية: هي الحاجة الروحية للإنسان إلى الأمور المعنوية، فلو كان الإنسان كائناً مادياً كان المفروض أن يعيش الاطمئنان والسكينة باستيفاء الحاجات المادية، ولكن من الملحوظ في الأوساط والمجتمعات الأكثر رفاهاً أنها أكثر عرضةً للعوارض النفسية مثل الشعور بالضيق والقلق وحب الانتحار بالقياس إلى المجتمعات الفقيرة، وهو ما يعلل بضعف الجوانب الروحية فيها، وذلك مما يشير إلى أن للإنسان _فضلاً عن البعد المادي_ بعداً روحياً، له اقتضاءات معنوية غير مادية، فلن يستقيم كيان الإنسان إلا بضرب من الاعتدال في الإيفاء بالحوائج المادية والمعنوية.




معرفة الدين (سلسلة محاضرات فكرية)، ص35-ص38

السيد محمد باقر السيستاني