وإذا لاحظنا مشهد المسلمين بعد النبي (صلى الله عليه وآله) وفق الروايات المتفق عليها وجدنا مشهداً غريباً على كل حال، فقد بادر الأنصار إلى عقد اجتماع داخلي فيما بينهم لتعيين من يلي النبي (صلى الله عليه وآله) منهم من غير استشارة لبني هاشم والإمام علي (عليه السلام) - وهو في الموقع الذي كان فيه بين يدي النبي (صلى الله عليه وآله) ـ ولا لسائر المهاجرين من قريش رغم أن النبي (صلى الله عليه وآله) - وهو رسول الله (صلى الله عليه وآله) - كان يستشيرهم في أمور السلم والحرب ويستأنس برأيهم، وقد أمره الله بذلك، ولأنّ المشورة تقرب القلوب وتؤلف النفوس وتذهب بالضغائن، لكنهم خشوا إن أشركوا قريش وبني هاشم أن يُغلبوا على الأمر، فرأوا أن يبايعوا أحدهم، ويجعلوا قوم النبي وعشيرته الأقربين (بني هاشم) في مقابل الأمر الواقع، وقد تمسكوا لاستحقاقهم في الأمر بأنّهم الذين آووا النبي (صلى الله عليه وآله) ونصروه بعد أن طرده قومه ( قريش ) من مأواه مكة وكادوا يقتلونه ثمّ حاربوه.
والواقع (١) أنه لو تمّ للأنصار أن يبايعوا أحدهم لكان وضع المسلمين خطيراً، لأن قريش ومهاجريها لم تكن تقبل بذلك عادة، لأنها تعتبر نفسها أشرف العرب، وهي ذات عصبية أقوى من عصبية الأنصار، ولأنها قوم النبي (صلى الله عليه وآله) فهي أحق بتراثه وفق العرف القبلي، كما أن خضوع سائر العرب للأنصار كان أمراً صعباً، وليس على حد خضوعها لقريش؛ لمكانة قريش المركزية عند العرب، ولذلك كان من المتوقع حدوث فتن بين المسلمين كأن تخرج جل قريش من المدينة إلى مكة وتنافس الأنصار على حكم العرب، وقد تقع الحرب بينهم وبين الأنصار.
هذا، وبينما كان الأنصار في صدد إبرام الأمر لأنفسهم، إذ بثلاثة من مهاجري قريش - وكأنّهم يمثلون مذاق جلّ رجال قريش غير بني هاشم - وهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة يفاجئونهم بالدخول إلى السقيفة، ويطالبون بأن يكون الأمر لهم، ويقع الخلاف الشديد بينهم وبين الأنصار، فيحتج الأنصار بحقهم في أن يكون لهم نصيب من الامر، ويحتج هؤلاء بان قريش هم قوم النبي (صلى الله عليه وآله) فيكونوا هم أولى بتراثه.
واقعة الغدير ( (1) ثبوتها ودلالاتها)، ص115-ص118
السيد محمد باقر السيستاني