أسس الاهتمام السلوكي والمعرفي الفطري بالأشياء
2023-03-25

إنّ الاهتمام السلوكي بالأشياء وفق المبادئ الفطرية التي جُهز بها الإنسان يبتني على قاعدتين مترابطتين (ووجه الارتباط بينهما أن السنن الأخلاقية هي سنن الصلاح والسعادة وفق العقلائية التي تنظر إلى السعادة بنحو جامع وشامل):

1ـ قاعدة أخلاقية.

2ـ قاعدة حكمية (نسبة إلى الحكمة).

وهاتان القاعدتان تكونان الأساس العقلي للاهتمام المعرفي بالأشياء وفق ما تقدم من أنّ مبنى الاهتمام المعرفي هو بعينه مبنى الاهتمام السلوكي الذي يترتب عليه.

فالقاعدة الأولى: مراعاة حقوق الآخرين وعدم التعدي عليها وهي قاعدة قيمية بديهية وهي منبع جميع القوانين الدينية والبشرية.

ومن منطلق هذه القاعدة يصح القول إن الشيء كلما كان أكثر انتهاكاً لحق الغير كان أذم وأقبح وكان تجنبه ألزم وآكد، فالتعرض للآخرين بالأذى قبيح، وكلما كان الأذى أكثر كان الأذى أشد، فقتل الغير أو قطع بعض أعضائه أو تعذيبه قبيح جداً.

وهذه القاعدة تنطبق في شأن الدين؛ لأن الإله ذات عاقلة (إطلاق العقل في شأن الإله مجاز وتوسع وليس على وجه الحقيقة، فالمراد به شأنية العلم والإدراك ووجه اختيار التعبير به ـ رغم التوسع فيه ـ على التعبير بالعلم إنه لو عُبر بالعلم لم يفد إلا العلم الفعلي دون شأنية العلم، فلاحظ) خلق الإنسان وأنعم عليه بنعم كثيرة في نفسه وفيما حوله لكي يعرفه ويقدّر إنعامه ويشكره على ذلك، فمن القبيح من الإنسان أن يواجه الإله بإهمال معرفته أو جحوده والتنكر لمعروفه وإنعامه، كما قال تعالى: [قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ (31) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ] (سورة إبراهيم:31ـ43).

ورغم أن الله سبحانه لن ينقص منه شيء بكفران الإنسان لإنعامه لكن ذلك لا يوجب عدم قبح عمل الإنسان تجاه الإله، لأن معرفة الإله والإذعان به وشكره على الإجمال حق للإله، وهو حق عظيم بكونه الذي خلق الإنسان في الأصل، وبعظم النعم التي منحها للإنسان، فالتنكر له قبيح، وللإنسان أن يقرّب ذلك بنفسه بصدور مثل هذا الموقف من الولد تجاه أبيه، بأن يهمل معرفته والإذعان به وشكره على جهده في حقه، فإنه يجد ذلك أمراً قبيحاً وإن لم يكن الأب بحاجة إلى رعاية الابن لهذا الاستحقاق.

ولا فرق في قيمة الحق وأهميته بين أن يكون صاحب الحق هو الإله أو إنسانا آخر، بمعنى أن كون صاحب الحق هو الإله لا يلغيه ولا يخففه، لأن ثبوت الحق ومستواه تابع لمناشئ ثبوت الحق والوشائج التي تبتني عليه، ووشيجة الخلق والإنعام الكبير مستوجبة لحق مؤكد جداً.





أهمية البحث عن الدين (سلسلة محاضرات فكرية)، ص23 ــ ص27

السيد محمد باقر السيستاني