معرفة الدين من خلال تأصيل القيم الفاضلة الأخلاقية
2022-12-26

يتضمن الدين مضافاً إلى ذلك إضافات عدة في تأصيل القيم الفاضلة الأخلاقية من خلال أمور:

 الأمر الأول: في شأن الإله، فقد وجدت تأكيد الدين على اتصاف الإله بالقيم الفاضلة من وجهين:

١ - في فعله سبحانه، فهو تعالى يلتزم العدل والصدق والوفاء بالوعد والإحسان والرحمة والشكر والصفح وسائر المعاني الفاضلة، ويتجنب أضدادها كالظلم والكذب والخلف والاعتداء والكفران ونحوها، وقد تكرر إثبات الصفات الفاضلة ونفي أضدادها مئات المرات في القرآن الكريم بصور مختلفة، ومنها (لا يخلف الميعاد، قائم بالقسط، ليس بظلام للعبيد، رحيم، رحمن، لطيف، ودود، كريم، حليم، شكور، غفور).

٢ - في فعل الإنسان وسائر العقلاء من خلقه كالملائكة، فهو سبحانه كما أكد الدين يحب الخير منهم ويكره الشر.

ومن ثم جاء أنه تعالى يأمر بالأعمال الفاضلة كالعدل والإحسان ولا سيما بالوالدين وإيتاء ذي القربي وأداء الأمانة والإنفاق - ولا سيما على اليتامى والفقراء والمساكين - والعفو والصفح والشكر والمغفرة والمعاشرة بالمعروف وتهذيب النفس وتزكيتها والالتزام بالقيم والمواثيق.

الأمر الثاني: في الارتباط بين الله سبحانه وبين الإنسان.

فقد دل الدين أن هذا الارتباط قائم على أساس القيم الفاضلة المبنية على وشيجة الخلق والإنعام - وهي من الوشائج الفطرية المودعة في باطن الإنسان، فلله سبحانه حقٌ على الإنسان بالإذعان به والتصديق برسالته ورعاية الأدب معه انطلاقاً من قيمة الشكر والإحسان، كما قال تعالى: [اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ] (سورة الجاثية : ١٢).

الأمر الثالث: قيمومة الله سبحانه على رعاية القيم في هذه الحياة، وذلك أن الله سبحانه بحكم كونه الخالق والراعي للإنسان وللأشياء هو القيّم على الإنسان والراعي للسلوك الفاضل في هذه الحياة، فهو فضلاً عن إيداعه الضمير الأخلاقي في باطن الإنسان يؤكد على المسيرة الفاضلة ويرعاها ويشوّق إلى الفضيلة وينبه على حسن مآلها وعواقبها ويعطي مكافأة عليها، كما أنه يحذر من المسيرة الخاطئة وينبه على سوء مآلها ونتائجها.

الأمر الرابع: اهتمام الله سبحانه بحسب الدين بحسن تعامل الإنسان مع أخيه الإنسان، حيث تضمن أن تعامل الإله مع الإنسان يكون على مثال تعامل الإنسان مع أخيه الإنسان، كما قال سبحانه: ﴿ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ] (سورة النور : ٢٢)

الأمر الخامس: ظهور نتاج الفضائل وأضدادها في النشأة الأخرى، ذلك أن السلوك الإنساني في هذه الحياة يثمر نتاجاً ملائماً له بعد هذه الحياة، فإن كان هذا السلوك فاضلاً أنتج نتاجاً كريماً وسعيداً، وإن كان هذا السلوك خاطئاً أنتج نتاجاً مرّاً وكريهاً، فإنما ينتج الشيء مثله، فالحبة من الحنطة تنتج حنطة مثلها، والحبة من الحنظل تنتج حنظلاً مثله، فالنتاج إنما هو من سنخ العمل، وكل أمرئٍ يحصد نتاج ما زرعه غداً.

الأمر السادس: إن المؤمن أحق بالاتصاف بالفضيلة في منظور الدين، لأن من شأن ما تقدم من تأصيلات الدين حول الفضيلة وأهميتها أن يضاعف دواعي الإنسان على الفضيلة إلى أقصى حد يتأتى له ويسعه جهده وقدراته، ولذلك جاء في الآيات القرآنية توصيف المؤمن بالله سبحانه بسعيه إلى كل فضيلة، وتجنبه عن كل خطيئة إلا لمماً، كما جاء هذا المعنى في النصوص النبوية: ((المسلم من سلم الناس من يده ولسانه))( علل الشرائع ج ٢ ص ٥٢٣، وفي السنن الكبرى ج:٦ ص:530).

 الأمر السابع: إن الفهم الصحيح للدين لن يتأتى إلا في ضوء قواعد الفضيلة وأصولها، ومن ثم يجب تحلي المرء بالفضيلة لفهم الدين على وجهه، وإلا أدى به إلى مخالفات صارخة مع القيم الفاضلة كما نجده في الحركات المتشددة التي تتسمى باسم الدين وهي بعيدة عن الفطرة الأخلاقية للإنسان التي هي الأساس الأول للدين في التشريع.



تجربتي التربوية في الحياة (سلسلة محاضرات تربوية)، 47، 56

السيد محمد باقر السيستاني