أما التشريعات فهي تكاليف بعضها معرفية، وذلك معرفة الأنباء الثلاثة الكبرى، وتسمى بالعقيدة. وبعضها سلوكية، وهي ممارسات وتروك محددة وتسمى بالأحكام الشرعية (القانون الشرعي)، تعتمد على مبادئ الضمير الإنساني، بمعنى أن الضمير الإنساني يمثل القانون الفطري الذي جهز به الإنسان ليكون حاكماً على سلوكه وتصرفاته، فهذا الضمير هو الذي يحدد السلوك الملائم للإنسان سواء في مستوى التعامل مع الإله الخالق للكون والإنسان، أو في المستوى الاجتماعي للإنسان في التعامل مع بني نوعه، أو في مستوى التعامل مع نفسه.
ومن ثم نجد أن الدين يركز دائماً على الدعوة إلى العمل الصالح في مقابل الفاسد، والمعروف في مقابل المنكر، والحسن في مقابل السيء، والرشد في مقابل الغي، والعدل في مقابل الظلم، والإحسان في مقابل الإساءة، ويؤكد في تفاصيل ذلك على مراعاة الحقوق الفطرية مثل حق الإنسانية والأبوة والأمومة والبنوة والقرابة والجوار والالتزام وغيرها، وكذلك يؤكد على الالتزام بسائر المبادئ الفاضلة مثل الصدق والعفاف ونحو ذلك.
وعلى هذه المعاني تدور التشريعات التي تنظم العلاقة بين الإنسان والإنسان الآخر.
كما أنها بنفسها تنظم العلاقة بين الإنسان والإله، فللإله حق على الإنسان من جهة وشيجة الخلق والإنعام، فعلى الإنسان أن يراعي مقتضيات الأدب والتقدير والشكر مع الله سبحانه، وعلى ذلك يتفرع لزوم معرفة الإنسان للإله وإذعانه به والاهتمام بالاطلاع على رسالته إليه والاستجابة لها.
كما أن للإنسان حقاً تجاه الإله بما يمكن تشبيهه بحق الأولاد تجاه الوالدين، فالإله أيضاً يتعامل بالعدل والصدق والوفاء بالميعاد ويبذل الرعاية الملائمة للإنسان.
وأما حق الإنسان على نفسه فبأن يتعامل معها تعاملاً راشداً وفق سنن خلقتها، فلا يضار بها ويراعي القيم التي جُبل عليها ويلتزم الحكمة التي هُدي إليها، ويستجيب للغرائز التي فطر عليها مع رعاية القيم التي يلزم رعايتها. وهناك حالات يتشابه الموقف فيها من المنظور الفطري فيرد فيها التشريع وفق تحري العدالة والصلاح العام.
أهمية البحث عن الدين (سلسلة محاضرات فكرية)، ص13، 14
السيد محمد باقر السيستاني