ضرورة الإحاطة المناسبة بالتأريخ
2022-12-23

إنّ من الضروري منهجياً الإحاطة في مقام تحقيق الحوادث التأريخية بتأريخ الحقبة التي وقعت فيها وما يتصل بها إحاطة جيدة ومناسبة، فلا يمكن للمرء أن يتحرى المسائل التأريخية تحرياً موثوقاً من غير اطلاع واسع على التأريخ وحوادثه وتداعياته، ومن الخطأ أن يتعامل المرء مع الحدث التأريخي وكأنه وقع في هذا اليوم فيجرده عن أدلته وشواهده ومؤشراته وبيئته.

 ومن المعلوم أن رصد المعلومة التأريخية يحتاج إلى أدوات تأريخية ملائمة، فلا تغني الأدوات الفكرية البحتة المعمول بها في المباحث الفلسفية والكلامية والمنطقية والثقافية ونحوها عن الأدوات التأريخية، ولكل موضوع كما بينا منهج ملائم في تحقيقه.

وليس في حاجة المعلومة التأريخية إلى إقامة الدليل عليها من خلال الأدوات التأريخية الملائمة ما يقتضي وهناً فيها أو ضعفاً في ثبوتها وتعذر الثقة بها، فكم من معلومة تأريخية بديهية - كأصل وجود بعض الشخصيات السياسية والدينية وبعض الحوادث الكبرى - لم تخدش بداهتها رغم حاجتها لمعلومات تأريخية لإحرازها.

كما لا يُعتبر عدم اقتناع بعض الناس سبباً في وهن المعلومة التأريخية وضعف مؤشراتها، فلا تجد حقيقة تأريخية ثابتة إلا وقد شكك فيها فريق من الناس ممن لم يطلع على أدوات إثباتها على وجهٍ مناسب، أو كان ثبوتها مخالفاً لرغبته ونزعاته، أو أصيب بنوع غير متعارف من الشك والوسوسة في الموضوع.

وقد يتوقف التحقق الملائم من حدث تأريخي على التبحر في التأريخ وامتلاك الذوق التأريخي، والمراد به أن يتمكن المرء من فهم البيئة العامة السياسية والاجتماعية والعلمية والدينية المتعلقة بالحدث المنظور، والالتفات إلى مقتضياتها واستنطاق الحوادث - نفياً أو اثباتاً - استنطاقاً مناسباً، ولا سيما إذا كان الحدث يتعلق بالمساحة الغامضة من التأريخ الذي لا يجري الحديث المباشر عنها، أو يتعلق بالمعارضة للسلطة السياسية الحاكمة التي تهيمن على الأمور وتوجه الحوادث كما تشاء، حيث لا بدّ من أن يملك الباحث مزيداً من القدرة على استنطاق الحوادث، وفهم العلاقة بين الأمور، واستشفاف ما بين السطور، ويتصف بالذوق الملائم والذكاء اللازم للكشف عن الأمور الغامضة من خلال القرائن غير المباشرة، مع تجنب التعسف بتحميل الحوادث ما لا تحتمل.

فلا يكفي ما نجده من بعض الباحثين من مراجعة التأريخ واستخدامه من خلال نصوص وحوادث متفرقة من غير قدرة على استحضار حي للبيئة العامة والالتفات إلى مقتضياتها.

ومن المعلوم أنّ جملة من أمور الدين هي معلومات تأريخية يمكن التحقق منها بتلك الأدوات، كما هو الحال في أصل وجود النبي محمد (صلى الله عليه وآله)، وتبليغه رسالته، ومحاربته للمشركين، ومجيئه بالقرآن الكريم، وتفوّق ما أتى به أسلوباً ومضموناً على المستوى المعهود في بيئته وبين قومه ومن شخصه (صلى الله عليه وآله) نفسه قبل البعثة. وهذا الأخير بطبيعة الحال يتوقف على معرفة الأساليب اللغوية المعهودة في بيئته وشواهد تميز النص الذي جاء (صلى الله عليه وآله) به، وعجز البلغاء عن معارضته.

وكذلك نعتقد بحفظ القرآن الكريم بنصه دون تحريف أو نقيصة، وهذا أيضاً يتوقف على استحضار العناية بالقرآن عند نزوله والاهتمام بحفظه وكتابته منذ عصر النبي (صلى الله عليه وآله).

وعندما تكون المسألة التأريخية ذات علاقة بتفاصيل تختص بالمجتمع الإمامي فلا بدّ في تحريه والبتّ فيه من الاطلاع على تفاصيل التاريخ الإمامي والتي لم يكن التأريخ الإسلامي معنياً بها كثيراً.




منهج البحث والتحري في شأن الإمام المهدي (عليه السلام)، ص54-56

السيد محمد باقر السيستاني