ثبوت واقعة الغدير بالثبوت التاريخي
2022-12-18

إن مستوى اعتبار هذا الحديث ليس مقصوراً على الخبر الصحيح باصطلاح علماء الحديث، بل يرقى إلى مستوى الحدث التاريخي المشهور، بل إلى الخبر المتواتر كما صرح بذلك جماعة من المحدثين النقاد من أهل السنة.

وتوضيح ذلك أنّ هناك ثلاثة أنواع من الطرق معهودة لثبوت الوقائع والأقوال ــ وقد ثبتت الواقعة بها جميعاً ــ :

الطريق الأول: هو الطريق التاريخي، والمراد به أن الواقعة الاجتماعية العامة يحصل الوثوق برواتها وفق المعتاد في رواية التاريخ ما لم يكن هناك معارض لها، بالنظر إلى أن خلق واقعة واسعة بهذا الحجم التي حضرها عشرة آلاف من الرجال على أقل تقدير، وقيل بل عشرات الآلاف، وفيهم جمهور المهاجرين والأنصار من غير أن تكون قد وقعت أصلاً، أو تحريف نصوصها إلى غير وجهها مظنة للانكشاف أو الريبة في شأن الراوي، وذلك مما يتجنبه الرواة حتى كثير من الضعفاء منهم، وليس هناك من حديث معارض ينفي هذه الواقعة.

 وعلى هذا الطريق يعوّل عموماً في إثبات أحداث السيرة النبوية، فإنّها لم ترو رواية مسندة ثقة عن ثقة غالباً، بل هي أخبار مراسيل رواها الإخباريون المعنيون بالسيرة في سياق حكاية التاريخ.

الطريق الثاني: هو الطريق الروائي المنقول على سبيل التواتر، والمراد به أن تتعدد حكاية الخبر من طرق متعددة يوثق بأنّها لا تنشأ عن أصل واحد، وقد اقتفى بعضهم أثر بعض آخر.

 ومعرفة تحقق التواتر في أحداث السيرة النبوية وأقوال النبي (صلى الله عليه وآله) نوعاً بحاجة إلى الاطلاع على تاريخ الحديث ومصادره وأحوال الرواة في الجملة، وإلا احتمل الناظر البعيد عن مثل ذلك - في بادي النظر - وضع الحديث ابتداء من قبل واحد، ثم اقتفاء الضعفاء إياه وإسناده إلى آخرين حتى تراءت له طرق مستقلة وهي ليست كذلك، بل الأصل فيها شخص واحد قد وضع الحديث.

 وقد ثبت تواتر حديث الغدير في جملة (من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه) جماعة من النقاد من محدثي أهل السنة (يلاحظ تفصيل تواتر حديث الغدير عند علماء العامة في كتاب الغدير (الأميني): 1/٢٩٤ وما بعد) الذين اطلعوا على سعة طرقه ومصادره، وهو أمر ظاهر شريطة أن يكون الباحث مجهزاً بمعرفة علوم الحديث وتاريخه ومصادره وطبقات الرواة وأحوالهم كما ذكرنا ذلك.

الطريق الثالث: وهو الطريق الروائي المعتمد ويوصف بالصحيح أو الحسن، وهو عند المحدثين على ضربين:

1ـ الطرق المعتمدة على الثقة بآحاد الرواة في جميع طبقات الإسناد المتصل حتى ينتهي إلى النبي (صلى الله عليه وآله).

2ـ الطريق المعتمد على تقوية الطرق الحسنة بعضها ببعض من خلال الشواهد والمتابعات وفق ضوابط محددة في علم دراية الحديث.

وجملة من طرق واقعة الغدير هي طرق حسنة واجدة لشرائط الثقة بالتقوية والمتابعات كما ذكره النقاد.





واقعة الغدير ( (1) ثبوتها ودلالاتها)، ص92-97

السيد محمد باقر السيستاني