رؤية الدين عند الانسان وقدرته على التفكير واكتشاف الحقيقة
2022-12-14

وهو القدرة على تأمل الأمور، والاهتداء من خلال الأشياء بالالتفات إلى العلائق بينها واستثمار هذه العلاقة في اكتشاف بعضها من بعض، وهذه خصلة بديهية للإنسان.

ويرتكز الدين وفق الخطاب القرآني في المقام الأول على إثبات هذه الخصلة للإنسان، فهو يعتمد على قدرة الإنسان على التفكير، بل ويسعى إلى إثارة فكره وتحفيزه في اتجاه اكتشاف الحقيقة، ومعرفة الحق عن الباطل، والصحيح عن الخاطئ. ومن ثم نجد أن الآيات القرآنية تحث الإنسان دائماً على التفكير والتعقل والإصغاء والإمعان والاكتناه والاستنطاق للأشياء، كقوله تعالى: (ألم يروا)، (ألم ينظروا)، (أولم يتفكروا)، (لقوم يعقلون. لقوم يتفكرون. لقوم يفقهون. لقوم يتدبرون)، وهذا المعنى يتكرر بصور مختلفة في آيات القرآن الكريم.

فهذا التحفيز والإثارة هو جزء من التعليم الذي بُعث لأجله الأنبياء - وفق ما ذكره القرآن الكريم في غاية إرسال الله سبحانه الرسل إلى الناس - فلم يكن تعليم الرسالات الإلهية للخلق على سبيل إلقاء مواد جاهزة يتعلمها ويحفظها الإنسان، بل كان مبنياً على إثارة عقل الإنسان وإدراكه فيما يستطيع بنفسه من إدراكه بنحو مباشر إذا حُفز للتأمل والتدبر فيه، كما قال الإمام علي (عليه السلام) في أول خطبة من نهج البلاغة: ((... ويُثيرُوا لهمْ دَفَائِنَ الْعُقُولِ ...))

وبذلك يظهر أن الأساس الأول لاتجاه الدين في إقناع الإنسان بالدين إنما هو إقناعه على أساس مبادئ موضوعية ينالها الإنسان بعقله وتفكيره وتأمله على وجه جامع.



معرفة الدين (سلسلة محاضرات فكرية)، ص 24 ــ 26

السيد محمد باقر السيستاني