خطأ استغراب الفكرة بعد الانتباه إلى منطلقها
2022-12-10

 إذاً من الخطأ أن يثير المرء - وهو ممن يرى حقانية المذهب الإمامي مبدئياً وسلامة انتمائه إلى الأئمة المعروفين من الإمام علي (عليه السلام) حتى الإمام العسكري (عليه السلام) - غرابة فكرة الإمام الغائب المستور والمغمور ويتعامل مع شواهده وأدلته، بل ينبغي له أن ينتبه إلى ما وقع من غرائب في الأديان عامةً وفي الإسلام خاصةً، وما وقع من ذلك لأئمة أهل البيت (عليهم السلام)، ويتأمل الموضوع في ضوء ذلك.

كما أن من الخطأ أن يناقش الآخرون هذه الفكرة، لأن تلك المناقشات في الحقيقة إما مع أصل الدين والرسالات كلها، أو مع الإسلام بكل ما فيه، أو مع مذهب اصطفاء أهل البيت (عليهم السلام).

 ويمكن أن نعبر عن هذا المعنى بأن لهذه المعلومة بُعداً إيمانياً عاماً متفرعاً عن القبول بالدين والرسالات على الإجمال، وبُعداً إيمانياً خاصاً متفرعاً على القبول بدين الإسلام على الخصوص، وبُعداً إيمانياً أخص وهو القبول باصطفاء أهل البيت (عليهم السلام) في الإسلام، فالمناقشة فيه من المنطلق المنافي لهذه الأبعاد في أصولها هي مناقشة لتلك الأصول في الحقيقة، وليس لهذه المفردة بخصوصها ( (1) ويعبر علماء الأصول عن مثل ذلك بالمناقشة المبنائية، ويوضحون ذلك بأن المناقشة في الفكرة المدعاة تكون على أسلوبين:

 ١ - أسلوب المناقشة المبنائية: ويقصد بها الطعن في الفكرة بالطعن بالمبنى والأساس الذي ترتكز تلك الفكرة عليها ومن دون التناول المباشر لأدلة ذلك المبنى ونقدها، رغم أن صاحب الفكرة قد أقام أدلته وشواهده على ذلك المبنى والأساس الذي عول عليه، وهذا الاسلوب أسلوب خطابي يعتمد على الهجوم على الفكرة وتوهينها دون النقاش العلمي الموضوعي فيها.

 نعم لا مانع من المناقشة المبنائية على وجه استحضار المبنى وأدلته، ومحاولة نقدها بإنصاف وتروٍّ.

٢ - أسلوب المناقشة البنائية، ويقصد بها توجه النقاش والنقد إلى الفكرة ذاتها، دون الانطلاق من مناقشة المباني والأسس التي ثبتت مسبقاً بالأدلة والشواهد الخاصة، وهذا أسلوب سليم ومقبول.

والحاصل: أن المفروض في المناقشة التي تكون بالنظر إلى مبنى الفكرة هو عرض ذلك المبنى وأدلته ونقدها، دون الاكتفاء في نقد الفكرة على توهين الفكرة ذاتها.

 والتعبير عن هذين الأسلوبين بالمبنى والبناء استعارة من البناء الحسي، فإن من يبني بناءً فإنه يضع له أولاً مبنى وأساساً عميقاً، ثم يُعلي فوقه البناء، والخلل في البناء قد ينشأ عن خلل عميق في المبنى مما يحتاج إلى الكشف عنه من قبل المهندسين وتتبع عيوبه وترميمه على ضوء ذلك، وقد ينشأ عن خلل في البناء نفسه من غير اختلال للمبنى، وهو بطبيعة الحال ينبغي أن يعالج بترميم البناء ذاته، فالأفكار كالأبنية ذات أسس مفترضة ترتكز عليها)

وبتعبير آخر: إن هذه المعلومة هي جزئية من جزئيات أصل الإمامة عند الاثني عشرية، ومثل هذه الجزئيات والتفاصيل إنما تدرس في ضوء أصولها لا منفصلة عنها.

على أنه ليس المقصود بذلك تعذر الاقتناع بولادة الإمام المهدي (عليه السلام) على أصول أهل السنة، بدليل إقرار جماعة منهم به (عليه السلام) من جهة الحديث المتفق عليه عندهم من أن الأئمة اثنا عشر.



منهج البحث والتحري في شأن الإمام المهدي (عليه السلام)، ص51-53

السيد محمد باقر السيستاني