لا شك لدى علماء المسلمين في ثبوت هذه الواقعة وأصل ما جاء فيها من عقد الولاء للإمام علي(عليه السلام)، فأوردها عامة أهل السير في أحداث السيرة النبوية في أحداث شهر ذي الحجة من السنة العاشرة، وتلقاه الجميع تلقي حدث تاريخي ظاهر ومعلوم في عداد الأحداث التاريخية الكبيرة من هذا القبيل.
وكذلك قد نقلها أهل الحديث في كتبهم وصححها عامة علماء الحديث ونقاده فيما اهتموا به من السيرة أو ألفوه في فضائل الإمام علي (عليه السلام).
هذا وقد انفرد نادر من أهل السيرة والمحدثين بإهمال هذه الواقعة، ولكن الإهمال لا يعني النفي كما هو مقرر لدى أهل العلم كافة، ولذلك فهو لا يعني وجود خلاف في الموضوع ولا ينفي وضوح ثبوت الحديث وفق المقاييس المعتمدة.
فمن النادر بين أهل السير ما صنعه ابن هشام في السيرة النبوية التي هي تلخيص لسيرة ابن إسحاق، فحذفها من سيرته بعنوان التخليص [التلخيص] والإيجاز، فأوجب التعجب من صنيعه هذا، رغم أنّ الإعراض في مثله لا يعتبر إنكاراً لهذه الواقعة عند علماء التاريخ، لكن ذلك أمر لا يجوز مثله بحال فإنّه إخلال بالمنهج وبمقتضيات الأمانة، ولا يصح إهمال مثل هذه الواقعة والخطبة وهي حدث جماهيري عام حضره الآلاف من المسلمين، لا سيما أن بناء التاريخ على ذكر الأحداث المعهودة دون المشاحّة في رجال الإسناد كما هو دأب المحدثين من أصحاب الصحاح كما هو معلوم لأهل الممارسة.
ومن النادر بين أهل الحديث إعراض البخاري عن إيراد هذا الحديث من دون قدح صريح وقد استدركه عليه جماعة من النقاد المتقدمين كالذهبي والمتأخرين كالألباني(لاحظ: التحف شرح الزلف: ٤٣٢ - ٤٣٣ ، سلسلة الأحاديث الصحيحة: 4/٣٣٠)، وقالوا إنّ الحديث صحيح على شرطه بمعنى أن الرجال الذين رووه قد روى لهم البخاري في صحيحه، ولم يكن له أن يهمل هذا الحديث بتاتاً.
وينبغي الالتفات في هذا السياق إلى أنّ عدم ذكر الواقعة لا يدلّ على إنكارها ونفي صحتها كما هو معروف عند أهل فنّ السيرة والحديث، إذ قد علم من خلال المقارنة والممارسة والتأمل أنّ للإعراض عن ذكر الحديث أسباباً لدى بعض أهل الحديث كالبخاري غير الشك في صحته مثل تجنّب تمسك أهل البدع به، وكانت خطبة الغدير المستمسك الأهم لإمامة أهل البيت (عليهم السلام) التي اعتبرت بدعة لدى مدرسة الخلافة.
وأياً كان فإن إهمال هذه الواقعة حالة نادرة، لكنها لا تعني ـ كما ذكرنا - إنكار صدورها ممن أهملها عند أهل العلم.
واقعة الغدير ( (1) ثبوتها ودلالاتها)، ص85-87
السيد محمد باقر السيستاني