الأمر الأول: إننا لا نستطيع بعد التأمل والتروي والانتباه الى تقييم مجمل انطباعات الانسان عن نفسه ان نثق بانطباعنا عن مقاصدنا ونياتنا في جميع الأحوال، وذلك لأننا نجد في شأن الاخرين انهم يذكروا أموراً عن نياتهم ومقاصدهم الحسنة لا نثق بها وربما نثق بخلافها، كما اننا نجد ان الفتاة قد تذكر حسن نيتها في بعض علاقاتها وسلوكياتها، ولكن الأم ترى انها تنزع من خلالها الى نوازع نفسية محددة ولو بشكل غير واع، بل ربما نجد ان الانسان قد يختلف تشخيصه لنواياه من تصرفات سابقة بعد مزيد من النضج في الحياة، كما يُحلل الرجل والمرأة بعد تقدمهما في العمر بعض تصرفاتهما في مرحلة المراهقة والشباب على وجه مختلف عما كانا يتوقعانه عن نواياهم آنذاك.
إن من الجائز أن نقصد أموراً في سلوكياتنا وأعمالنا قصداً غير واعٍ، بل قد يكون ذلك بشكل واعٍ بعض الشيء، ولكن الإنسان قد يموّه الأمور على نفسه ويصورها لنفسه على غير واقعها، وتلك صفة مشهودة لنا جميعاً كما نجده بوضوح في حق الآخرين، ومن المعلوم ان ما يتفق للآخرين يجوز ان يتفق لنا ايضاً لان الناس امثال فيما يجوز أو يمتنع عليهم.
إنّ من عقلانية الإنسان أن يكون قادراً على نقد نفسه ونواياه وتمحيصها وان يكون حذراً تجاهها كما جاء في كلام للإمام علي (عليه السلام) يصف فيها المتقين بكل فضيلة إنسانية وإيمانية رائعة، لكنه يقول عنهم رغم ذلك(نهج البلاغة، تحقيق: صبحي الصالح ص 305): (إِذَا زُكِّيَ أَحَدٌ مِنْهُمْ خَافَ مِمَّا يُقَالُ لَه فَيَقُولُ، أَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْ غَيْرِي ورَبِّي أَعْلَمُ بِي مِنِّي بِنَفْسِي، اللَّهُمَّ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا يَقُولُونَ، وَاجْعَلْنِي أَفْضَلَ مِمَّا يَظُنُّونَ وَاغْفِرْ لِي مَا لَا يَعْلَمُونَ ... يَعْمَلُ الأَعْمَالَ الصَّالِحِةَ وَهُوَ عَلَى وَجَلٍ)). وقد جاء في القرآن الكريم ـ وهي الرسالة الالهية الناصعة ـ النهي عن تزكية المرء لنفسه حتى أصبح ذلك أدباً إسلامياً متبعاً، حيث قال تعالى: [فَلَا تُزَكُوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى].
رسالة المرأة في الحياة (سلسلة محاضرات تربوية)، ص 65-67
السيد محمد باقر السيستاني