ثم في المرحلة الثانية: تأملت أمر الدين.
وقدرت أولاً بحكم عقلي أن المنطق الملائم للاقتناع بالدين أن يثبت وفق الأدوات العقلانية والراشدة التي جُهز بها الإنسان في تكوينه العقلي، وأن تنطلق مضامينه في اتجاهاته وخطوطه العريضة مما فطر عليه الإنسان من نزوع إلى الحكمة والفضيلة. ولا ضير بعد ذلك من اشتماله على نصوص وتفاصيل متشابهة.
ثم لاحظت أن ما ينبغي الاهتمام به هو الدين الإلهي، وهو ما يتضمن نقل رسالة صريحة ومعلنة من الإله إلى الإنسان يبين فيها حقائق الوجود والحياة، ويوضح المسيرة الصحيحة له فيها. وأما الأديان المبتنية على تجارب بشرية بحتة، فهي لا تكشف كشفاً موثوقاً عن أي شيء حقيقي وخطير من قبيل ما تقدم. من جهة أن سعة قدرة الإنسان في التخيل والوهم تسمح بوقوعه في طيف من التخيلات والأوهام خلال تلك التجارب، على أنه في حال ثبوت رسالة إلهية إلى الخلق لا محل للسعي إلى تلقي تعاليم الإله بالتجربة.
ولاحظت في تأمل الدين الإلهي أن ما يعرف بالأديان الإلهية الثلاثة (اليهودية، والمسيحية، والإسلام) هي في الحقيقة دين واحد، كما هو المتوقع، وكما صرح به القرآن الكريم، ولكن تعددت الرسائل الإلهية في داخل الدين الإلهي ليؤكد بعضها بعضاً، وذلك بدليل اتحادها في تعاليمها وأنبائها وعقائدها وتاريخها ورجالها واتجاهاتها وأصول تشريعاتها، حيث تتضمن الجميع وجوب الإيمان بالله سبحانه والدار الآخرة والرسل السابقين وكتبهم وتوصي بعبادة الله سبحانه بالصلاة والصيام والحج إلى بيت الإله والاعتكاف، وبرعاية القيم الأخلاقية من الإحسان والصدق والعفاف وأخواتها، فما يسمى بالدين الجديد إنما هو رسالة رسول آخر يؤكد على كل ما سبق ويزيل الأخطاء المهمة الطارئة، وقد ينسخ في رسالته بعض التفاصيل التشريعية باقتضاء العوامل المتغيرة الدخيلة في التشريع.
تجربتي مع الدين (سلسلة محاضرات فكرية)، ص17، 18
السيد محمد باقر السيستاني