إنني وجدت أنّ القيم الإنسانية تنقسم إلى أقسام ثلاثة:
القسم الأول: ما يتعلق بتعامل الإنسان مع نفسه، ويعبر عنه بحق الإنسان على نفسه.
ومضمون هذا الحق أن يتعامل الإنسان مع نفسه تعاملاً حكيماً، ويشتمل ذلك على عدة أمور:
1ـ أن يقدر الإمكانات التي وُهبها ولا يفرط بها من غير سبب ملائم، كما في نعمة الحياة والسلامة والصحة وسائر نعم الحياة، ومن ثم لا تجيز النفس الإنسانية إلقاء النفس إلى التهلكة بالانتحار، ولا التهور عند المخاطر لغير غاية مناسبة ومعقولة.
2ـ أن يرضى الإنسان بمقاديره في هذه الحياة والمراد بمقاديره هو ما لا يستطيع الإنسان من تغييره مثل العوق غير القابل للعلاج، فلا ينبغي أن يُحبط ويتشاءم ويتراجع إلى الوراء، بل عليه أن يعيش حياةً اعتيادية بنفس مطمئنة ويتأمل سعادته في أمور أخرى مُنحها قد يكون هناك مَن حُرمها، وينطبق على كافة الأمور التي يستطيع تغييرها مثل آبائه وأولاده وقرابته وكثير من الظروف الأسرية والاجتماعية الخاصة والعامة.
3ـ أن يرضى الإنسان بما يشبه المقادير، وهي أمور قد يستطيع الإنسان تغييرها ولكن ليس إلى وجه أمثل بل إلى وجه مساوٍ أو أسوأ، كمن يستطيع أن يفارق زوجه أو زوجته ولكن من غير أن يحصل على مزيد من السعادة بذلك، فالأولى به أن يتكيف مع حياته ويسعد بها وينظر إلى إيجابياتها.
ومن الغلط الذي يقع في ذلك ما نجده أحياناً من عدم رضا الناس عن جنسهم وحبهم التشبه بالجنس الآخر، وتلك صفة مؤذية لهم قبل كل شيء، فلو انسجموا مع واقعهم واقتنعوا به لكانوا أسعد بذلك وأسلم عن الأذى.
4ـ أن يستثمر قدراته في هذه الحياة بما يليق بها، ولا يجعلها راكدةً عن حالها، ولا سيما في حال الشباب، حيث يستطيع تنمية قابلياته على وجه نافع.
5ـ أن يستجيب لغرائزه استجابةً معقولةً وملائمة، ولا يسعى إلى قهر نفسه وإيذائها ومضادتها من غير سبب حكيم، فإن ذلك يكون كبتاً للنفس يؤدي إلى انفعالات غير واعية لا يسيطر عليها، ومن ثم كان من المناسب أن يتزوج الإنسان ويسعى إلى حياة سعيدة تفي بحاجاته الطبيعية.
القسم الثاني: ما يتعلق بتعامل الإنسان مع سائر الناس، والضابط في ذلك أن يحب لهم ما يحب لنفسه ويكره لهم ما يكره لنفسه، ومن ذلك أن يكون حكمه على السلوك الذي يصدر منه والسلوك الذي يصدر تجاهه واحداً، فهذا ضابط العدل والإحسان وضدهما من الظلم والإساءة، وقد أشير إليه في قوله تعالى: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ) (سورة المطففين/ 1ـ3)، وقال الإمام علي (عليه السلام) في وصيته المذكورة في نهج البلاغة لابنه الحسن (عليه السلام): ((يا بني اجعل نفسك ميزانا فيما بينك وبين غيرك فأحبب لغيرك: ما تحب لنفسك، وأكره له ما تكره لها، ولا تظلم كما لا تحب أن تظلم، وأحسن كما تحب أن يحسن إليك، واستقبح من نفسك ما تستقبح من غيرك، وارض من الناس بما ترضاه لهم من نفسك)) (نهج البلاغة، تحقيق صبحي الصالح ص:397)
القسم الثالث: ما يتعلق بتعامل الإنسان مع سائر الأشياء، مثل الحيوانات والنباتات وسائر أجزاء الطبيعة، وهناك لياقات فطرية بها مثل العامل الرحيم مع الحيوانات الأكثر إدراكاً كالشاة والهرّ، ومثل عدم إيذاء الحيوانات من غير سبب عقلائي، وعدم قطع النباتات عبثاً، وعدم تخريب البيئة لغير وجه ملائم.
تجربتي التربوية في الحياة (سلسلة محاضرات تربوية)، ص 33-36
السيد محمد باقر السيستاني