أولاً: إن من الضروري للإنسان أن يعتبر التحلي بالقيم الفاضلة (الإلزامية) غاية عليا لنفسه في هذه الحياة حتى تمثل وجهته في مسيرته وهاجسه الأول فيها، ولا يستبدل هذا الموقع اللائق بها في النفس المهيمن على الميول والغرائز إلى موقع أدنى تكون فيه محكومةً بتلك الميول والغرائز، وتكون هذه الميول حينئذ هي وجهته في هذه الحياة.
بل إذا كان الإنسان طموحاً ينبغي أن يجعل قيم الكمال أيضاً جزءاً من طموحه تحقيقاً لمزيد من الكمال والرقي الإنساني، وتداركاً لإخلاله ببعض القيم الفاضلة (الإلزامية)، واستثماراً أفضل لهذه الحياة لأجل نيل رضوان الله سبحانه والدار الآخرة.
وثانياً: إنه ينبغي للإنسان أن يبذل مع مساع تربوية لأجل أن يحافظ على ما فطر عليه من الفضيلة ولأجل أن تكون الفضيلة اتجاهاً نفسياً وسلوكياً له، ليكون هذا الاتجاه صائناً له عن نوازع الخطيئة وممارستها.
إن للإنسان في داخله كيانا أخلاقيا، يمكن أن يعبر عنه بـ(أنا الأخلاقي)، فعليه أن ينمي هذا الكيان في نفسه ويعظم مكانته في داخله ويشعر نفسه أنه ينبغي أن يترفع عن الخطيئة، فلا يليق به أن يقع في إغوائها ويستجيب لوسوستها، وليقل في ذات نفسه إنه لا يليق بي أن أكذب وأرائي وأخون وأقسو وأرتكب ما يخالف العفاف، فهذه المعاني وأخواتها أمور وضيعة وسافلة من المفروض بي أن أترفع عنها وتكون إرادتي وعزيمتي اقوى من إغرائها.
ولتربية النفس أدوات معروفة هي بعينها ما نستخدمها جميعاً في تربية الأطفال، من أهمها البيئة الفاضلة، وتتمثل البيئة في الأسرة والأصدقاء والمشاهد التي يراها ويطلع عليها، فإن ذلك كله يخلق جواً نفسياً للإنسان يساعده على رعاية الفضيلة والابتعاد عن الرذيلة والخطيئة، وإذا كان على خلاف ذلك فإنه يؤدي إلى تعرض الإنسان بشكل متكرر لوسوسة الخطيئة وإغرائها، ومن تعرض بشكل متكرر للإغراء والوسوسة كاد أن يستجيب لها، ومن ثم يجب تجنب أصدقاء السوء وشركاء الخطيئة، فإن صداقتهم تؤدي إلى التأسي بهم والابتلاء بمثل ما وقعوا فيه، وعليه بالصداقات مع أهل الفضل والفضيلة فإنها تؤدي إلى التأسي بهم والتأثر بصنيعهم.
وثالثاً: إن على الإنسان أن يكون قادراً على نقد نفسه وسلوكه من المنظور الأخلاقي، انطلاقاً من المبادئ والقيم الفطرية التي جُهز بها، فإن من ذاب في نفسه وخصاله وسلوكياته يقع في الخطيئة وهو يعتبرها حسنة، وبذلك يزيّف وعيه الأخلاقي، فالنقد هو الذي يحول دون طرق الزيف أو يكشفه في حال وقوعه، وقد قال سبحانه في القرآن الكريم: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) (سورة الكهف /103-104).
إن النفس الإنسانية بطبيعتها عرضة للصدأ الناشئ من الميول والغرائز وتمويهها، والنقد هو الذي يمنع ويزيل الصدأ الأخلاقي الذي يعرض عليها، فإذا لم يعالجه الإنسان بالنقد شكل طبقة زائفة في نفس الإنسان حتى يهيمن على عقله الباطن وبذلك يعيق القيم الفطرية عن النشاط والفاعلية.
تجربتي التربوية في الحياة (سلسلة محاضرات تربوية)، ص 26-29
السيد محمد باقر السيستاني