أن الإسلام وصل بالفتوح والقوة إلى الشعوب المتحضرة ذات الثقافات الدينية المختلفة على أيدي عرب الجزيرة. وهم أمة بدائية تحتقرها تلك الشعوب، ومع ذلك أخذ موقعه من تلك الشعوب في فترة قصيرة، فدخلت فيه أفواجاً، ولم تبق مدة طويلة حتى صار المسلمون من غير العرب أكثر من العرب.
مع اهتمام كثير منهم بثقافة الإسلام واعتزازهم بها، فكان منهم الفقهاء وحملة القرآن والمحدّثون. وكان منهم أيضاً الكثير من المتخصصين في فروع الثقافة المختلفة.
كما كان كثير منهم من ذوي البصائر والثبات، بحيث ضحّوا من أجله بأنفسهم عن قناعة كاملة، كميثم التمار وغيره.
حتى روى غير واحد أن الأشعث بن قيس تخطى رقاب الناس إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو على المنبر، وقد أحاط به الأعاجم، فقال: ((يا أمير المؤمنين غلبتنا هذه الحمراء على قربك)). فركض (عليه السلام) المنبر برجله وقال: ((من يعذرني من هؤلاء الضياطرة (هم الضخام الذين لا غناء عندهم. لسان العرب)، يتمرغ أحدهم على فراشه تمرغ الحار، ويهجر قوماً للذكر. أفتأمرونني أن أطردهم. ما كنت لأطردهم فأكون من الجاهلين. أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ليضربُنّكم على الدين عوداً كما ضربتموهم عليه بدءاً)) (شرح البلاغة ٢ ص:٢٨٤ونحوه في مســــنـد أبي يعلى ص:۳۲۲ مسند علي بن أبي طالب، أمالي المحاملي ص: 200 الفائق في غريب الحديث ج:1 ص:277 غريب الحديث لابن سلام ج:3 ص:484).
ولا نعني أن المجتمع العربي لم يُعن بالثقافة الدينية. فقد كان فيهم أيضاً الفقهاء والعلماء، كما صرّح به أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) نفسه في خطبة له يعتب فيها على أهل الكوفة تخاذلهم عن نصرة الحق، مع اجتماع أهل الشام على نصرة الباطل، حيث يقول فيها:
((ولأنتم ـ على ما كان فيكم من تواكل وتخاذل ـ خير منهم، وأهدى سبيلاً. فيكم العلماء والفقهاء والنجباء والحكماء وحملة الكتاب والمتهجدون بالأسحار وعمار المساجد بتلاوة القرآن. أفلا تسخطون وتهتمون أن ينازعكم الولاية عليكم سفهاؤكم والأشرار الأراذل منكم؟!)) (شرح نهج البلاغة ج:6 ص:99 في خطبة علي بعد مقتل محمد بن أبي بكر. الإمامة والسياسـة 136). كما أنه قد ضحّى كثير منهم بنفسه في سبيل المبادئ الحقّة، كحجر بن عدي وجماعته، وشهداء الطف وغيرهم.
بل نعني أن الشعوب الأخرى حينما دخلوا في الإسلام أفواجاً، وتركوا أديانهم السابقة، تبنى كثير منهم الثقافة الإسلامية، وضحى آخرون في سبيل الحقيقة، لقناعتهم التامة بالإسلام.
وبذلك تخلت تلك الرقعة الكبيرة من الأرض عن ثقافاتها المختلفة، واستبدلتها بالثقافة الإسلامية طوعاً في فترة زمنية قصيرة جداً.
خاتم النبيين (صلى الله عليه وآله) ص144،143
اية الله العظمى السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم (قدس سره)