وأما الجزء القيمي من تجربتي التربوية التي كوّنتها لنفسي في هذه الحياة: فقد لاحظت أن القيم الأخلاقية تنقسم جوهرياً إلى قسمين:
منها: قيم تمثل إلزاماً للإنسان، فهي بذلك تحدد مشروعية السلوك، فلا يصح السلوك المخالف لها مثل قيمة العدل والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأخواتها، ونعبر عنها بالقيم الإلزامية، أو بالقيم المحددة لمشروعية السلوك من عدمها، أو بقيم الصحة تشبيهاً لها في شأن نفس الإنسان بالسلوك الصحي في شأن الجسم الذي يحافظ على صحة الإنسان ويقيه من الأمراض.
ومنها: قيم تمثل فضيلةً في السلوك من غير أن تعني الإلزام به وعدم جواز تركه مثل الإنفاق المستحب على الآخرين وإيثارهم على النفس، ونعبر عنها بقيم الاستكمال أو قيم الفضل والتطوع.
والذي وجدته أن القيم الأخلاقية بقسميها هي صفة رائعة للغاية، وهي صفة مميزة بين الصفات الإنسانية الراقية من قبيل المعرفة والحكمة، فهي أرقاها حقاً، فالمعرفة محض اطلاع على الأشياء والوقائع، كما أن الحكمة تنسيق صفة بين السلوكيات والغايات مادية كانت أو معنوية، فمن تجنب شيئاً لأنه يضره كان حكيماً لأنه يتأذى بالضرر ويندم من ارتكاب ما يؤدي إليه.
وأما القيم الأخلاقية فهي لياقات سلوكية ينطلق فيها الإنسان من رعاية معنى نبيل طوعاً من غير أن ينظر إلى غاية مادية وراءها بالضرورة، ومن ثم فهي ذات طابع تضحوي، فانظر إلى الروعة في موقف إنسان يستطيع ظلم الآخر والاعتداء عليه ولا يخشى في ذلك مضرة، بل يرجو به لنفسه نفعاً وفائدةً من قبيل إثبات مكانته وكبريائه أو إسكات خصمه أو نحو ذلك لكنه يترك ذلك لأنه لا يرى لنفسه حقاً في ذلك، ولأنه يؤلمه ما يؤلم الآخر.
وإن شئت فانظر إلى روعة موقف من يشكر ما أسداه إليه الآخر من نعمة بالوقوف معه في شدائده من غير أن يطمع في تتابع معروفه، كما في إعانة الأولاد للوالدين عند الشيخوخة والعجز لا لشيء إلا شكراً على معروفهما وانطلاقاً من حقهما عليهم.
تجربتي التربوية في الحياة (سلسلة محاضرات تربوية)، ص10 - 12
السيد محمد باقر السيستاني