الأمر الأول: إخبار الدين عن عدم فناء الإنسان وبقائه حياً ليعود فيكون مرتهناً بأعماله التي عملها في هذه الدنيا. وبذلك تكون الدنيا هذه مزرعة الآخرة، فيزرع المرء اليوم ليحصد ما يراه غداً، ولا تكون هذه الحياة محل لهوٍ واستراحة واسترسال، بل موطن تعلم واختيار، يتعلّم فيها الإنسان سننها ومختلف السبل فيها ويختار ما يشاء منها. وهي فرصة اختبارٍ للإنسان من خلال حوادثها؛ فحوادث الحياة أشبه بأسئلةٍ امتحانية، وردّ فعل الإنسان تجاهها يمثل أجوبته عن تلك الأسئلة، فيكون لكل أحدٍ درجته في المشهد المقبل حسب مساعيه وأعماله فيها.
إن هذا النبأ لهو نبأ خطير للغاية لا يبلغ المرء عمقه ولا يستطيع أن يقدّره حق تقديره.
وقد تمر عليَّ لحظات أستحضر فيها هذه الحقيقة، وأفكّر في أبعادها، فأستعظمها، وأشعر أنني لا أحتملها. فكيف أستثمر حياةً بهذا الجد استثماراً لائقاً؟ فربع عمر الإنسان ـ على الأقل - ينقضي بالمنام، وباقيه يكثر فيه الإهمال والاسترسال والاستراحة، وحيثما يعمل الإنسان عملاً يتوقعه صالحاً لا يحرز فيه سلامة النية والإخلاص، بل تعتريه هواجس المصانعة والتكلّف والمآرب الدنيوية.
على أنه ماذا عسی أن تكون أعمال مثلي ـ في مضمار السباق في هذه الحياة ـ مع أعمال الصالحين المتبصرين والنابهين الذين نظروا إلى هذه الحياة بنظرة ثاقبة وحكيمة، الذين نفذوا من ظواهر الأمور إلى بواطنها، وتجاوزوا في تأملهم حاضرها إلى مستقبلها وغايتها، ونذروا أنفسهم لاستثمار هذه الحياة على الوجه الأمثل(وقد وصف الإمام علي عليه السلام أحدهم في كلام له، حيث قال: [ قَدْ لَبِسَ لِلْحِكْمَةِ جُنَّتَهَا، وأَخَذَهَا بِجَمِيعِ أَدَبِهَا مِنَ الإِقْبَالِ عَلَيْهَا ، والْمَعْرِفَةِ بِهَا والتَّفَرُّغِ لَهَا ، فَهِيَ عِنْدَ نَفْسِه ضَالَّتُه الَّتِي يَطْلُبُهَا وحَاجَتُه الَّتِي يَسْأَلُ عَنْهَا]، نهج البلاغة ج١ ص:٢٦٣/ تحقيق: صبحي الصالح)؟!
وقد يبلغ القلق بالمرء أحياناً أن يود أنه لو لم يوجد، أو أن الله تعالى توفاه قبل سن الرشد والتكليف. كما جاء في القرآن الكريم عن مريم عليها السلام قولها عند ولادة عيسى عليه السلام: (يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا) (سورة مريم : 23).
تجربتي مع الدين (سلسلة محاضرات فكرية)، ص 8 - 10
السيد محمد باقر السيستاني