الاجتهاد في المعجم العربي مشتق من الجهد، وهو بذل الوسع للقيام بعمل ما، وهو لا يكون إلا في الأشياء التي في حملها ثقل، فيقال مثلا إن فلانا اجتهد في حمل صخرة، بينما لا يقال إن فلانا اجتهد في حمل ورقة.
أما الاجتهاد في المصطلح فقد نشب خلاف بين العلماء في تعريفه وتحديده، والأنسب في تعريفه بمفهومه العام أن يقال بأنه ملكة تحصيل الحجج على الأحكام الشرعية أو الوظائف العملية، شرعية أو عقلية، وهذا التعريف منتزع مما تبنته مدرسة النجف الأشرف الحديثة في علم الأصول (الأصول العامة للفقه المقارن: 545 ـ باختصارـ).
والمجتهد هو من تتوفر فيه هذه الخصيصة.
أو هو بذل الجهد في استنباط الأحكام الشرعية من مداركها المقررة، وهي القرآن الكريم والسنة بمعونة القواعد الأصولية المستدل على صحتها وفقا للأسس الموضوعة، بعد دراسة العلوم التي تساعد على ذلك.
وبموجب ما تقدم فلا يدخل القياس ولا الاستحسان ولا المصالح المرسلة ولا العرف ولا شرع من قبلنا ولا مذهب الصحابي ولا الاعتماد على الرأي الشخصي لبطلانها. ويقال للقادر على استخراج الأحكام من مصادرها (مجتهد).
فإذا انتهى طالب الحوزة العلمية من دراسة المقدمات دراسة مستوعبة، ثم أعقبها بدراسة السطوح دراسة معمقة، ثم أنهى مرحلة البحث الخارج بتدقيق وتحقيق، فقد تأهل لدخول مرحلة الاجتهاد من خلال البحث في الأدلة التفصيلية بشكل واسع ومعمق ليختار منها ما يسوقه إليه اجتهاده في المسائل التي تعرض له أو يسأله غيره عنها، فإذا وجد الباحث المجدُّ المستقصي ممن أنهى مرحلة البحث الخارج في نفسه بصدق وإخلاص وتجرد وصفاء نية وقصد قربة الله عز وجل القدرة على البحث المعمق في المسائل الفقهية والأصولية واستقصاء الأدلة من مصادرها، ودقة تحليل النصوص، ومناقشة الآراء المختلفة فيها بعمق وإرجاع الأدلة الظنية منها إلى أدلة قطعية ومن ثم الوصول إلى رأي مستقل يذهب إليه فيها يبحث ويناقش ويتبناه ويحسن الدفاع الرصين عنه، عُدّ آنذاك مجتهداً.
ومن الأهمية بمكان تبيان أن المجتهد ليس من يستطيع النقض والإبرام ثم يخصم بسرعة، بل هو الذي يستطيع المتابعة حتى النهاية على وجه يستطيع إرجاع كل دليل ظني إلى قطعي مهما طالت السلسلة، أما الذي يرجع الدليل الظني إلى مثله، ثم يدعمه بقوله: أفتى به فلان أو قاله فلان أو ذكره جماعة، فهو يستدل على الظني بمثله وعلى النظري بالنظري، ومثله يعتبر جهلاً في جهل وليس لصاحبه في ميزان التحقيق نصيب من العلم.
(موسوعة النجف الأشرف . جامعة النجف الدينية : 6/207 نقلاً عن كتاب جامعة النجف للشيخ محمد تقي الفقيه).
هذا ومن الجدير بالذكر أن ما جعل الاجتهاد في مذهب أهل البيت يمتاز عن غيره هو صدور القواعد الأصولية والفقهية الكثيرة التي يعتمد عليها الاجتهاد من الائمة (عليهم السلام) وخاصة الإمامين: محمد بن علي بن الحسين الباقر وابنه جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام)، فإن الروايات الدالة على الاستصحاب، والبراءة الشرعية، وقاعدة اليد، والسوق، وأصالة الصحة (أي حمل فعل المسلم على الصحيح)، وأصالة الطهارة، وأصالة الحل (الإباحة)، وقاعدتي لا ضرر ولا حرج، وكيفية ترجيح الروايات المتعارضة، وعشرات القواعد الأخر كلها دالة على إحاطة الأئمة عليه السلام بهذه القواعد، وتعليمهم الفقهاء لها، وإن كانت العناوين والتسميات قد ظهرت بعد ذلك، فالاستصحاب تدل رواياته على واقع الاستصحاب وهو (جرّ الحالة السابقة من حيث الحكم أو الموضوع) وإن لم يطلق عليه عنوان الاستصحاب آنذاك.
وكان الأئمة (عليهم السلام) يربون تلاميذهم كلا في فرعه الخاص به، فكانوا يعلمون الكلاميين منهم كيفية المناظرة، والفقهاء كيفية الاستنباط، فقد سأل الإمام الصادق (عليه السلام) - سائل عن المسح على مرارة وضعها على ظفره المقطوع، فقال: «يعرف هذا واشباهه من كتاب الله عز وجل قال الله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (سور الحج) امسح عليه» (وسائل الشيعة إلى أحكام الشريعة الحر العاملي: 1/327).
حوزة النجف الاشرف، ص157-159
تأليف الدكتور عبد الهادي الحكيم