دوافع الإقدام على الشهادة
2022-08-22

أحدهما: أن من المعلوم دينياً أهمية ثواب الشهادة، إلا أن العلم المذكور تارة: يبلغ حدّ التجلّي والوضوح، حتى كأنه يرى عياناً، كما هو الحال في أهل البصائر، كالأنبياء والأئمة (صلوات الله عليهم أجمعين) ومن يتفاعل بهم ومعهم من الخواص الخلّص. وهم يقدمون عليها لا يمنعهم شيء من وجوه التخذيل والإغراء مهما بلغ.

 

وأخرى: لا يتجلّى ذلك. وحينئذ يمنعهم منها تعلقهم بالحياة وزينتها من أهل ومال وجاه ومنصب وغيرها.

نعم الانتصار الظاهر نتيجة الشهادة من أسباب ضعف تعلّق الإنسان بالحياة وزينتها، حيث يشعر بأن مصيبة الموت لم تذهب هدراً، بل تحقق في مقابلها شيء على الأرض، فترتفع المعنويات، ويتجلّى بسببها ثواب الشهادة، فيرغب فيها لذلك. كما قد يتعرض لذلك من لم يؤمن بالشهادة والثواب الأخروي، فيسهل عليه اقتحام الحرب واحتمال الموت. بأمل الفخر بالانتصار الظاهر.

ومن القريب أن ذلك هو الذي حصل لكثير من المسلمين بعد الانتصار الباهر الذي حصل في بدر، حيث توقعوا أنه سيتكرر ببركة الإسلام، فاستسهلوا مواجهة قريش، ورغبوا في الشهادة، لتحقيق نصر مماثل له.

ولذا أصروا على النبي (صلى الله عليه وآلهِ) وطلبوا منه الخروج، ولقاء المشركين خارج المدينة، وكان رأيه البقاء وقتال المشركين فيها. واستجاب لهم، فخرج إلى أحد (إعـلام الورى بأعلام الهدى ج:1 ص: 176 في غزوة أحد. الكامل في التاريخ ج:٢ ص: 150).

 

واقتضت حكمة الله تعالى أن يمروا بهذا الامتحان العسير، ليظهر أن تمنيهم للشهادة ليس حباً خالصاً لها، بل حباً للانتصار الذي كانوا يتوقعونه.

 

ولذا اندفعوا أولاً في الحرب، وانتصروا فعلاً. فلما أفلت منهم ما حصّلوه من الانتصار ـ نتيجة تفريط بعضهم كما سبق ويأتي ـ انهارت معنوياتهم، وفرّوا هاربين حبّاً بالحياة، كما يشير إليه قوله تعالى: (ولَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) (سورة آل عمران الآية: 143).

 

فكانت ثمرة ذلك تنبيههم لواقعهم، وأن عليهم أن لا يغتروا بالانتصار والمظاهر، بل يأخذوا بعين الاعتبار جميع المحتملات حتى غير المحتسبة، ولا يندفعوا كما اندفعوا قبل وقوع هذه الحرب.

ولذا لم يذكر تأريخياً تكرر نظير ذلك الاندفاع منهم بعد أحد.

نعم حصل نظيره بعد النبي (صلى الله عليه وآلهِ) في حروب الإسلام خارج الجزيرة العربية حين توالت الانتصارات الكاسحة، وأعقبتها الغنائم الكثيرة. والله عزوجل أعلم بالنوايا والأهداف التي دفعتهم لذلك.

 

ومن المعلوم أن لهذا الأمر أهميته الكبرى في المستقبل الطويل الذي سوف يمر به الإسلام والمسلمون.

 

 

 

 

خاتم النبيين (صلى الله عليه وآله) ، ص 71 - 73

اية الله العظمى السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم (قدس سره)