في رحاب القران الكريم
أسلوب القرآن الكريم في إثارة التَّأمُّل للأشياء والنَّظر إليها بعين الأمثال
تُطلَق الأمثال على وقائع خاصَّة اعتُبرت نموذجاً لما شابهها، فصارت تُذكَر كلَّما اتَّفق موقفٌ مشابهٌ لها، فيُقال ـ مثلاً ـ لقوم يعملون عملاً قد يُتراءى لاغياً، ولكن سوف تظهر نتائجه الإيجابيَّة لاحقاً: (عند الصَّباح يحمد القوم السُّرى، ويُقال لمَن بنى نفسه بنفسه: (نفس عصام سوَّدت عصاماً)، إلى غير ذلك.
وللقرآن الكريم تصرُّفان في هذا الشَّأن ذوا أبعاد أدبيَّة وفكريَّة:
(الأوَّل): إبداع أمثال حسِّيَّة رائعة لظواهر معنويَّة، كقوله تعالى عن المنافقين ـ وهو يصف مكائدهم بالمسلمين وإبطال الله سبحانه لها ـ: [مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّـهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ]، فالآية تشبِّه هؤلاء المنافقين ـ بالنَّظر إلى غايتهم الَّتي يتحرَّكون إليها في القضاء على المسلمين ـ بالَّذي يسير في مسيرةٍ مظلمةٍ، كما تشبِّه مكائدهم بالمسلمين بنارٍ يوقدها المرء بعناء ـ كما كان عليه الحال في تلك الأزمنة ـ فلمَّا علقت النَّار بالعود الَّذي هُيِّئ لإيقادها، وأضاء نوراً ليمشي به في ظلمات اللَّيل، ويصل إلى مقصده، فإذا بالنَّار تنطفئ، وتترك المرء في ظلماتٍ لا يبصر فيها شيئاً، فمكائد المنافقين تجاه المسلمين هي بهذه المثابة، فهي خطواتٌ غير متينةٍ ولا موثوقة، كما قال تعالى عن قوم: [كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّـهُ].
ومن الأمثال القرآنيَّة قوله تعالى: [أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّـهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّـهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ]، وما أروع هذا المثل في تجسيد آثار الأقوال الطَّيِّبة والخبيثة في باطن هذه الحياة ثُمَّ فيما بعدها من النَّشأة الأُخرى وفق منظور الدِّين، فالأقوال الطَّيِّبة ـ وهي الَّتي توجِّه إلى الحقيقة، وتنير العقول، وتثبِّت القلوب على الحقِّ ـ هي بمثابة شجرةٍ طيِّبةٍ مباركةٍ تضرب جذورها في تخوم الأرض، وتعلو أغصانها المثمرة إلى آفاق السَّماء، وأمَّا الأقوال الخبيثة الَّتي تموِّه الحقائق، وتثير البغضاء، وتسيء إلى الآخرين فهي كشجرةٍ خبيثةٍ لا ثبات لها، ولا جدوى منها، إلَّا أنَّها تشغل حيِّزاً، وتوجب أذىً، ويكون الجهد المبذول حولها سُدىً.
(الآخر): ـ وهو محلُّ الشَّاهد هنا ـ النَّظر الـمَثَليّ إلى كلِّ شيءٍ في الحياة، بمعنى تلقِّيه نموذجاً لحالةٍ عامَّةٍ يكون الإنسان عرضةً له، وهو يؤدِّي إلى إيقاظ روح التَّأمُّل والتَّفكير والاتِّعاظ في الإنسان.
فإذا تأمَّل الإنسان أحوال السَّابقين استحضر أنَّهم مَثَلٌ له، فهو سوف يكون غداً مثلهم، كما كانوا هم بالأمس أحياء ثُمَّ ماتوا، وإذا تأمَّل أحوال الصَّالحين استحضر أنَّهم استثمروا ما أُعطوه حتَّى بلغوا مراتب الصَّلاح والفضيلة، فينبغي أن يكونوا مَثَلاً له وأسوةً في ذلك، وإذا تأمَّل أحوال الخاطئين استحضر أنَّهم بشرٌ مثله، ولم يكونوا بهذه الصِّفة من الأوَّل، وهو عرضةٌ لأن يكون كما كانوا، فعليه أن يحذر الوقوع فيما وقعوا، وإذا رأى مشهداً رائعاً آيلاً إلى الزَّوال استحضر زوال هذه الدُّنيا وانقضاءها، وحذر من الاغترار بها، وإذا لُدغ من جحرٍ مرَّةً اعتبر به، وتجنَّب مثله في المقبل من أيّامه وهكذا.
ونلاحظ أنَّ القرآن الكريم يشجِّع على هذه الرُّؤية إلى الأشياء، وهي رؤية ملؤها التَّفكير، والتَّعقُّل، والاعتبار، والعظة .
رسالة الله سبحانه الى الإنسان ، ص ٢٩٦
السيد محمد باقر السيستاني.