من علماء الفقه الكبار في القرن الثالث عشر الهجري، تصدّى للمرجعية الدينية في زمن حكومة «فتح علي شاه».
عُرف بـ«المحقّق» لكثرة تحقيقاته، وكمال قُدرته على التصرُّف بأدوات الاستنباط في الأُصول والفروع.
له تبحّر في الحديث، والرجال، والتاريخ، والحكمة، والكلام، مع ورع واجتهاد وسداد وتقوى واحتياط.
كثير الخشوع، غزير الدموع، طيّب المعاشرة، لطيف المحاورة.
يُعَدّ حلقة الوصل بين تأسيس حوزة قم، وبين تجديد حياتها على يد الفقيه الشيخ عبد الكريم الحائري.
هو الميرزا أبو القاسم بن محمّد حسن بن نظر عليّ، الشَّفتي الأصل، الجابلاقي المولد،
كانت ولادته عام 1151 هجرية. والده من العلماء، ووالدته ابنة الميرزا هداية الله من علماء أصفهان.
تميّز منذ طفولته بقابليات متعدّدة حيث تفوّق على أقرانه في ذكائه وفطنته وفهمه وإدراكه، وكان منذ نعومة أظفاره شغوفاً بطلب العلم ناشداً للكمال، فبدأ بتلقّي مبادئ العلوم عن والده، حتّى إذا أصبح في سنّ البلوغ إذا به يطلب من أبيه أن يسمح له بالسفر إلى «خونسار» للتّتلمذ على يد عالمِها السيد حسين الخونساري، فدرس عنده الفقه والأُصول سنين عدّة، وكان السيد حسين من أعاظم الفقهاء في ذلك العصر، ومن مشايخ الإجازة، وله رسالة في علم الرجال، فأجازه، وتزوّج الميرزا بشقيقة أستاذه لشدّة الثقة التي كانت بينهما.
وتمرّ الأعوام ويشعر الميرزا أبو القاسم بأنّ خونسار لم تعد تروي ظمأه للعلم، ولم تعد تُطفي تعطّشه إلى المزيد من المعرفة، فيقرّر الهجرة إلى العراق، فيودّع أستاذه الخونساري، ويشدّ الرحال إلى كربلاء، وفيها يلتحق بدرس الأستاذ الأكبر السيد محمد باقر المعروف بالوحيد البهبهاني، وما يلبث أن يحصل منه على إجازة في الاجتهاد والرواية عنه.
وخلال إقامة الميرزا في العراق درس على يد عدّة من الشخصيات العلمية الأخرى؛ كالسيّد محمّد باقر المازندراني، والشيخ محمد مهدي الفتوني العاملي
إلى قم: في تلك الأثناء قدّر الله تعالى أن يهيّئ للميرزا أبي القاسم ما يُظهر مواهبه ويجازيه على إخلاصه وصبره، فاتُّفق أن طلب منه أهل قم الإقامة في بلدهم، فأجابهم إلى ذلك، وهناك عرف الناس قدره، فدرّس بها وألَّف كثيراً من كتبه، حتّى أصبح من كبار المحقّقين وأفاضل المؤسّسين، وأعاظم الفقهاء المتبحّرين، واشتُهر أمره، وطارَ ذِكره، ولقّب بالمحقّق القمي، فتوجّهت الناس إليه، وكثُر الإقبال عليه، ورُجع إليه بالتقليد، فنهض بأعباء الزعامة الدينية. ولم تكن لمدينة قم الصغيرة أهمّيتها في تلك الأيّام، ولكنّ شهرة الميرزا أبي القاسم دفعت بالكثير من أهل الفضل والعلم لأن يحجّوا إليها، وينهلوا من علم المرجع الكبير، ومنذ ذلك الوقت سطع نجم المدينة في سماء العلوم الإسلامية، وتحولّت قم إلى مركز إشعاع راح يخطف الأبصار، وما لبثت أن أصبحت عاصمة للعلم، ولذا يعد الميرزا القمّي المؤسّس الحقيقي للحوزة العلمية في قم، التي ما لبثت بعد جهوده المتضافرة والحثيثة أن تحتلّ مرتبة الصدارة إلى يومنا هذا.
مصنّفاته: كتب الميرزا القمّي في حقول عديدة من العلوم الإسلامية، بما في ذلك الفقه، والأصول، والكلام، وعلم البديع، ومعاني البيان، وغير ذلك، وقد أبدع في ذلك كلّه وأجاد، ما يدلّ على نبوغه وسعة معارفه، فمن آثاره التي أتحف بها المكتبة والتراث الإسلاميّين:
- (قوانين الأصول)، وهو أشهر ما كتب الميرزا وصنّفه، وقد نال الكتاب شهرة واسعة بسبب ما ورد فيه من أفكار مبتكرة، وقد كُتبت حوله الحواشي حتى بلغت سبعة وأربعين حاشية.
- حاشية على (قوانين الأصول)، وهو يتضمّن إجاباته على بعض الإشكالات التي وردت على كتابه (قوانين الأصول).
- (غنائم الأيّام فيما يتعلّق بالحلال والحرام)، يشتمل على بحوث في الفقه الاستدلالي.
- (مرشد العوامّ)، رسالته العملية لمقلّديه.
- ديوان شعري، يضمّ خمسة آلاف بيت بالعربية والفارسية.
وفاته ومدفنه: المشهور أنّ وفاة الميرزا القمّي (قدّس سرّه) كانت عام 1231 هجريّة بعد أن بلغ الثمانين من عمره المبارك، وقيل: إنّ يوم وفاته كان على قم كيوم عاشوراء، من الحزن، والسواد، والعزاء، وقد دُفن في المقبرة الكبيرة في بلدة قم الطيّبة، ومرقده يُزار ويتبرّك به، ويقصده أرباب الحوائج، ويسمّى بمقبرة «شيخان»، ويراد بكلمة «شيخان» الشيخ ابن بابويه، والشيخ الميرزا القمي.
أقوال العلماء فيه:
قال السيد حسن الصدر في (تكملة أمل الآمل): «هو أحد أركان الدين، والعلماء الربّانيين، والأفاضل المحقّقين، وكبار المؤسّسين، وخلف السلف الصالحين؛ كان من بُحور العلم، وأعلام الفقهاء ".." هذا مع ورع واجتهاد وسداد وتقوى واحتياط..».
وقال المحدّث النوري في (خاتمة المستدرك): «..وكان مؤيّداً مسدّداً، كيّساً في دينه، فَطِناً في أُمور آخرته، شديداً في ذات اللَّه، مجانباً لهواه، مع ما كان عليه من الرئاسة، وخضوع ملك عصره وأعوانه له».