عبادة الشيخ الأميني
2021-02-08

كان (رحمه الله) ولوعا بقراءة القرآن والدعاء والصلوات المسنونة، إذا قرب الفجر قام إلى صلاة الليل وقرنها بفريضة الصبح، ثم جلس إلى قراءة القرآن حتى ينهي جزءا كاملا كل يوم، مرتلا آياته بتدبر وإمعان، متزودا من حججه وبيناته، وبعد تناول طعام الصبح يأوي إلى مكتبته الخاصة، ويعكف على المطالعة حتى يحضر عنده تلامذته للتزود من بيانه العذب، ونظرياته الصائبة، وآرائه الحرة في الفقه والاصول، ويبقى مستمرا على التدريس والبحث حتى يحين أذان الظهر، فيقوم إلى أداء الفريضة، ثم يتناول طعامه، ويأخذ من الراحة زهاء ساعة واحدة، ثم يعود للعمل في مكتبته حتى منتصف الليل.

 

وفي فترات خاصه من النهار كان لي شرف الحضور عنده، لتلقي دروسي في المرحلة الابتدائية. وكان كثير الزيارة للحرم العلوي الشريف، يقصده في أوقات مختلفة، فإذا استأذن بالزيارات المنصوصة ودخل الحرم المطهر تنكر لكل أحد وهيمن عليه الخضوع والخشوع، والكآبة والحزن، جلس قبالة وجه الإمام سلام الله عليه، وبدأ ببعض الفاظ الزيارات المعهودة مخاطبا مولاه بكلماته، والدموع تسيل على لحيته الكريمة، لا تنقطع حتى يبارح ذلك المشهد المقدس، وكانت زيارته تستغرق ساعة من الوقت فأكثر.

 

وكثيرا ما كان يقصد زيارة سيد شباب أهل الجنة السبط الشهيد الحسين سلام الله عليه في كربلاء راجلا، طلبا لمزيد الأجر، ومعه ثلة من صفوة المؤمنين من خلص أصدقائه، يقضي طريقه خلال ثلاثة أيام أو أكثر، وهي لا تزيد عن ٧٨ كيلو مترا، لا يفتر فيه عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والوعظ والارشاد، وإلقاء مواعظ وتوجيهات دينية على أهل القرى والرساتيق التي يمر بها، حتى يصل كربلاء المشرفة، وعندها لم يكن له هم سوى المثول بمشهد الإمام الشهيد، فيدخله ودموعه تنحدر على وجناته من لوعة المصاب.

 

وكانت زياراته في حالات تخص به، لم يعهد مثلها من غيره، كما أن حاله في مجالس الأئمة المعصومين كانت خاصة به، لكثرة بكائه وجزعه. وكان (رحمه الله) إذا حل شهر رمضان المبارك عطل جل أعماله، وتفرغ للصيام والعبادة في النجف الأشرف، أو بكربلاء المشرفة، وعند ذلك يلزم نفسه قراءة خمسة عشر ختمة من القرآن، يهدي ثواب أربعة عشر منها إلى المعصومين الأربعة عشر، ويخص والديه بواحدة، وكان دؤوبا على ذلك حتى السنوات الأخيرة من حياته.

 

 وإلى جانب هذه السيرة الإسلامية، والخلق المحمود لم ينس فروضه الاجتماعية تجاه ذوي الحاجات والمعوزين والبائسين، فكان كثير البر، وصولا لابناء نحلته، مساهما في احزانهم، لم يرد سائلا، ولم يخيب آملا، يحمل نفسه المتاعب والعناء حتى ينهي مشكلة بائس أو فقير، ويتفقد حال أرباب الحرف الضعيفة في حارته، ويستكشف همومهم، ثم يبذل جهده في رفعها ما أوتي الى ذلك سبيلا.

 

ربع قرن مع العلامة الأميني : ص٣١ .