العشرون من شهر رمضان المبارك فتح مكة سنة 8 هجري
2020-05-13

فتح مكة (يُسمَّى أيضاً الفتح الأعظم) غزوة وقعت في العشرين من شهر رمضان المبارك في العام الثامن من الهجرة (الموافق 10 يناير 630م) استطاع المسلمون من خلالها فتحَ مدينة مكة وضمَّها إلى دولتهم الإسلامية. وسببُ الغزوة هو أن قبيلةَ قريشٍ انتهكت الهدنةَ التي كانت بينها وبين المسلمين، بإعانتها لحلفائها من بني الدئل بن بكرٍ بن عبد مناةٍ بن كنانة (تحديداً بطنٌ منهم يُقال لهم "بنو نفاثة") في الإغارة على قبيلة خزاعة، الذين هم حلفاءُ المسلمين، فنقضت بذلك عهدَها مع المسلمين الذي سمّي بصلح الحديبية. وردّاً على ذلك، جَهَّزَ الرسولُ محمدٌ جيشاً قوامه عشرة آلاف مقاتل لفتح مكة، وتحرَّك الجيشُ حتى وصل مكة، فدخلها سلماً بدون قتال، إلا ما كان من جهة القائد المسلم خالد بن الوليد، إذ حاول بعضُ رجال قريش بقيادة عكرمة بن أبي جهل التصديَ للمسلمين، فقاتلهم خالدٌ وقَتَلَ منهم اثني عشر رجلاً، وفرَّ الباقون منهم، وقُتل من المسلمين رجلان اثنان.

 

ولمَّا نزل الرسولُ محمدٌ(ص) بمكة واطمأنَّ الناسُ، جاءَ الكعبة فطاف بها، وجعل يطعنُ الأصنامَ التي كانت حولها بقوس كان معه، ويقول: «جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا» و«جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ»، ورأى في الكعبة الصورَ والتماثيلَ فأمر بها فكسرت. ولما حانت الصلاة، أمر الرسولُ محمد(ص) بلال بن رباح أن يصعد فيؤذن من على الكعبة، فصعد بلالٌ وأذّن.

 

أمر رسول الله صلى الله عليه وآله الزبير بن العوام أن يدخل مكّة من أعلاها، فيغرز رايته بالحجون، وأمر خالد بن الوليد أن يدخل من أسفل مكّة، ونهى عن القتال إلّا لمن قاتلهم، ودخل هو صلى الله عليه وآله من أعلى مكّة، وكانت الراية مع سعد بن عبادة. وقد غلظ سعد بن عبادة على القوم، وأظهر ما في نفسه من الحنق عليهم، فدخل وهو يقول:

 

اليومُ يومُ الملحمة ** اليوم تُسبى الحُرمة.

 

وهو يعني: إنّ هذا اليوم سوف نترك فيه أجسادكم أشلاء متقطّعة وتسبى حرمكم ونساؤكم. فسمعها العباس فقال للنبي صلى الله عليه وآله: أما تسمع يا رسول الله ما يقول سعد؟ وإنّي لا آمن أن يكون له في قريش صولة. فأمر النبيّ صلى الله عليه وآله عليّاً أن يأخذ الراية ويقول:

 

اليوم يوم المَرحَمة **اليوم تُحمى الحُرمة.

 

ودخل رسول الله صلى الله عليه وآله مكّة على ناقته القصواء واضعاً رأسه الشريف على الرحل؛ تواضعاً لله تعالى، ثمّ قال: اللّهمّ أنّ العيش عيش الآخرة. فكان فتح من دون قتال، دون أن يحرك غمد، أو يشهر سيف، أو تجرّد قناة، فقط ( لا إله ألا الله ) سلاح أمضى من أي سلاح.. وتدخل مكّة إلى أحضان الإسلام. إنّها لحظة النصر التي أسست لإيمان سوف يبقى حتى قيام الساعة. محمد صلى الله عليه وآله في قلب مكّة، ومعه جيش من أولئك الحفاة الذين اضطهدوا أيّما اضطهاد.

 

خطبته صلى الله عليه وآله في فتح مكة

عن الإمام الصادق عليه السلام قال: لمّا قدم رسول الله صلى الله عليه وآله مكة يوم فتحها، فتح باب الكعبة فأمر بصور في الكعبة فطمست، فأخذ بعضادتي الباب فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده. ماذا تقولون وماذا تظنون ؟ قالوا: نظن خيراً و نقول خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم، وقد قدرت ! قال: فإني أقول كما قال أخي يوسف: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ ألا إنّ الله قد حرّم مكة يوم خلق السماوات والأرض، فهي حرام بحرام الله إلى يوم القيامة، لا ينفر صيدها ولا يعضد شجرها، ولا يختلى خلاها، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد. فقال العباس: يا رسول الله إلا الإذخر فإنه للقبر والبيوت ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله إلا الإذخر. ودخل صناديد قريش الكعبة وهم يظنون أن السيف لا يرفع عنهم، فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله البيت وأخذ بعضادتي الباب ثم قال: لا إله إلا الله أنجز وعده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب وحده... ألا إن كل دم ومال ومأثرة كان في الجاهلية فإنه موضوع تحت قدمي، إلا سدانة الكعبة وسقاية الحاج فإنهما مردودتان إلى أهليهما، ألا إن مكة محرمة بتحريم الله، لم تحل لأحد كان قبلي، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار، فهي محرمة إلى أن تقوم الساعة... ثم قال: ألا لبئس جيران النبي كنتم، لقد كذبتم وطردتم، وأخرجتم وفللتم، ثم ما رضيتم حتى جئتموني في بلادي تقاتلونني، فاذهبوا فأنتم الطلقاء. فخرج القوم كأنما أنشروا من القبور، ودخلوا في الإسلام.

                         

دخول النبي صلى الله عليه وآله إلى المسجد الحرام

أقبل صلى الله عليه وآله إلى الكعبة فاستلم الحجر الأسود، وطاف بالبيت على راحلته، وعلى الكعبة أصنام مشددة بالرصاص. وفي رواية حولها ثلاثمائة وستون صنماً، لكلّ حي من أحياء العرب صنم، فجعل كلّما يمرّ بصنمٍ منها يشير إليه بقضيب في يده، ويقول: ﴿جَاء الحَقُّ وَزَهَقَ البَاطِلُ إِنّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾، فما أشار لصنم من ناحية وجهه إلّا وقع لقفاه، ولا أشار لقفاه إلّا وقع لوجهه حتّى مرّ عليها كلّها، وكان أعظمها هُبل. فقال تميم بن أسد الخزاعي في ذلك:

 

وفي الأصنام معتبر وعلم                       لمن يرجو الثواب أو العقابا

وكان المقام لاصقاً بالكعبة، فصلّى خلفه ركعتين، ثمّ أمر به فوضع في مكانه. ثم أراد النبي صلى الله عليه وآله أن يصلي في بيت الله ركعتين فأبى عثمان بن طلحة العبدي فتح باب البيت وقال: لو علمت أنك رسول الله لم أمنعك، فلوى الإمام علي بن أبي طالبعليه السلام يده وأخذ المفتاح من يده وفتح الباب، ودخل النبي صلى الله عليه وآله وصلّى ركعتين، فلما خرج أراد العباس من النبي صلى الله عليه وآله أن يعطيه مفتاح البيت، فنزلت آية: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، فأمر النبي صلى الله عليه وآله أن يردّ المفتاح إلى عثمان ويُعتذر إليه فقال عثمان لعلي: يا علي أكرهت وآذيت ثم جئت برفق، فقال له علي: لقد أنزل الله في شأنك وتلى الآية، فأسلم عثمان.