غزوة بدر الكبرى، هي أولى معارك المسلمين ضد مشركي قريش بعد الهجرة إلى المدينة وبقيادة رسول الاسلام (ص)، وكانت الوقعة في 17 من شهر رمضان للسنة الثانية للهجرة في منطقة بدر. وقد انتصر المسلمون في هذه الوقعة على خصومهم، بقتلهم وأسرهم عدداً من كبار جيش العدو. ولقد عزز هذا النصر من مكانة المسلمين في المدينة المنورة.
ويذكر المؤرخون من أهم أسباب انتصار المسلمين هو البطولات والتضحيات التي قدمها المسلمون على رأسهم امير المؤمنين (ع) وحمزة سيد الشهداء. تعد هذه الغزوة إحدى الغزوات اللاتي ذُكرت في القرآن الكريم والتي اعتبرها نموذجا للإمدادات الإلهية.
لقد تعرض المسلمون في مرحلة ما قبل الهجرة النبوية لأشكال مختلفة من الظلم والتعسف والتعذيب والتشريد من قبل المشركين، كما ومُنعوا من أداء واجب الحج، ورغم ذلك لم يُسمَح لهم بمقابلة مشركي قريش والحرب معهم، ودائما ما كان الله تعالى يدعوا المسلمين للصبر، فكان المسلمون يلتزمون الهدوء والسلام، ويدعون إلى الله بالحسنى، ولكن بعد الهجرة أنزل الله تعالى آيات عدّ فيها ما تعرض له المسلمون من ظلم وأذن لهم بالقتال. ومنها ما نزل في سورة الحج: "أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ"
كان للمسلمين قبل بدر الكبرى عدة سريات وغزوات، وكان الهدف منها قصم ظهر قريش والسيطرة على قوافلها، فكان المسلمون يخرجون أحيانا لاعتراض عير قريش، ويُذكر أن ما عدا سرية نخلة لم تصل أي من السرايا والغزوات إلى المبتغى المطلوب. ففي هذه السرية التي كانت بقيادة عبد الله بن جحش والتي وقعت قبل شهر ونصف من بدر وفي شهر رجب، قُتل عمرو بن الحضرمي أحد المشركين وأسر شخصان آخران إضافة إلى أخذ ممتلكات القافلة التجارية كغنيمة حربية. واعتبرت قريش هذه الخسارة عاراً عليها بين سائر القبائل العربية، الأمر الذي دعاها للمطالبة بثأر عمرو، وكان لهذه الوقعة الأثر البارز في غزوة بدر.
ومن القوافل التي لم يتمكن المسلمون أن يسيطروا عليها كانت تلك القافلة التي تقصد غزة بزعامة أبي سفيان، فلاحقها الرسول ولما وصل مكانا يسمى "ذا العشيرة" (على مسافة 5 منازل من المدينة) وجد بأن العير قد فاتته. فاضطر إلى العودة.
وعند عودة القافلة، علم النبي الأكرم بعودة القافلة من غزة وقيل بأنّ جبرائيل هو من أخبر الرسول بذلك. وعلم أبو سفيان بأن النبي أرسل بعض رجاله لقافلته، فأرسل رسولا إلى مكة ليستنفر قريشا إلى أموالهم.
إجراءات الجيشين قبل المعركة
قبل بداية المعركة كانت هناك بعض الاجراءات التي قام بها الجيشان ابتداء من خروجهما من مكة والمدينة ومرورا باستقرارهما في بدر.
خروج المسلمين من المدينة
مع رجوع قافلة أبي سفيان من غزة إلى مكة المكرمة، أمر الله تعالى الرسول بالخروج من المدينة وبشره بالانتصار: "وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ" وبعد إعلان الرسول لأمر الله بالخروج، خرج مع مجموعة من أصحابه من المدينة المنورة، في 12 أو 13 من شهر رمضان. وفي إحدى المنازل ضرب الرسول عسكره وعرض المقاتلة، وردّ بعض الأصحاب إلى المدينة بسبب صغر سنهم.
ذكر القرآن لمحل استقرار الجيشين
لقد وصف القرآن الكريم محل استقرار المسلمين والمشركين بدقة حيث يذكر في الآية 42 من سورة الأنفال:
إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَىٰ وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْۚ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِۙ وَلَٰكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍۗ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ
بداية المعركة
من أجل تحريك المشاعر، قبل بداية المعركة أمر أبو جهل عامر الحضرمي بأن يحلق راسه ويلطخه بالتراب مطالبا بدم أخيه. يُقال أن عامر كان أول من هجم على معسكر المسلمين ليفرّق صفوفهم، ولكن جيش الرسول أثبتوا استقامتهم. ومن جهة أخرى كان أبو جهل يوبخ عتبة، وأجبره أن يبدأ بالمبارزة في حرب كان يحاول اطفاء نارها، وهكذا بارز هو وولده الوليد إضافة إلى شيبة وبدؤوا الحرب.
فأخرج لهم الرسول الأكرم، حمزة والإمام علي (ع) وعبيدة بن الحارث لساحة القتال، فقتل حمزة شيبة، وقتل علي (ع) الوليد، ولكن عبيدة لم يتمكن من هزيمة عتبة فكرّ حمزة وعلي (ع) عليه وقتلاه.
مصير المعركة
بعد مقتل عتبة وشيبة والوليد، اشتدت نيران الحرب ولكن بالامدادات الهية واستقامة المسلمين، غُلب المشركون. ويُذكر بأن الرسول (ص) أخذ قبضة من الحصى والتراب أثناء المعركة ورمى بها على قريش وقال: "شاهت الوجوه، اللهم أرعب قلوبهم وزلزل أقدامهم"، ثم قال لأصحابه: "شدوا" وهذا العمل لقد سبب هزيمة المشركين وفرارهم.حيث تركت قريش عدتها في أرض المعركة ولاذوا بالفرار وانتشر خبر هزيمتهم حتى وصل إلى أهل مكة.
وهكذا انتهت معركة بدر باستشهاد 14 شخصا من المسلمين (6 شهداء من المهاجرين و8 من الأنصار) ومصرع 70 شخصا من المشركين إضافة إلى أسر 70 آخرين. ويُذكر أن 21 شخصا من قتلى قريش قُتلوا علي يد الإمام علي (ع). هذا وتفرق عدد كبير من المشركين في الصحارى والوديان، بانتظار الليل ليهربوا من قبضة المسلمين.
وأما أبو جهل الذي كان قائد جيش قريش فقد لحقه معاذ بن عمرو وأبني عفراء وأصابوه بجروح قاتلة، وضرب ابن مسعود عنقه في آخر رمق، وفرح رسول الله (ص) من مقتل أبي جهل وقال: "إن الله قتل فرعون هذه الأمة أبا جهل، فالحمد لله الذي صدق وعده ونصر عبده، اللهم قد أنجزت ما وعدتني فتمم عليَّ نعمتك"، وحينما وقف على مصرع ابني عفراء قال (ص): "يرحم الله ابني عفراء فإنهما قد شاركا في قتل فرعون هذه الأمة، ورأس أئمة الكفر".
كان نوفل بن خويلد من الذين لعنهم الرسول الأكرم وقال فيه "اللهم اكفني نوفل بن خويلد" وقد قتله الإمام علي (ع) بسبب مواقفه السيئة من الرسول وتحريض المشركين على القتال، وعندما وصل خبر مقتله لرسول الله كبّر وقال: "الحمد لله الذي أجاب دعوتي فيه".