فأنا أوصي الإخوة الكرام في هذا الشهر بوصيّتين أسعى بنفسي إلى تنفيذهما:
أحدهما: العناية بحفظ القرآن الكريم عن تذوّق، بأن يسعى الإنسان في خلال هذا الشهر الفضيل أن يحفظ جزءاً أو جزأين من القرآن الكريم ـــ من جزءِ عمّ وجزء تبارك مثلاً ـــ، والإخوة الحافظون لهذين الجزأين يحفظون جزءاً ثالثاً، وهكذا.
وقد يقول الإنسان: إنَّني أنسى. نقول: لا ضير من النسيان لاحقاً، فأصلاً دخول القرآن الكريم في لا وعي الإنسان وفي ذهن الإنسان هو عنصر إيجابي وأدبٌ مع الله تعالى وعنصر إيجابي في النفس وعامل مؤثّر في النفس، فيمكن للإنسان أن لا يستطيع أن يحافظ على هذا الحفظ، ولكن نفس حفظ القرآن والاهتمام به وتذوّقه وقراءته بتذوّق هو شرفٌ للإنسان وأدبٌ مع الله ومبدأٌ فاعل في النفس.
أيُّها الإخوةُ: نحن أتباع أهل البيت أولى بالعناية بحفظ القرآن، والدُعاة إلى الله تعالى أولى بحفظ القرآن، فما وظيفتنا نحن أهل العلم؟ نحن دعاة إلى الله تعالى، ولذلك ينبغي أن يكون اهتمامنا بالقياس إلى سائر الناس اهتماماً مميزاً
الدّاعي إلى الله بأيّ شيء يدعو؟ بهذه الرسالة التي هي رسالة الله إلى النبي (صلّى الله عليه وآله)، ومن خلال النبي ثُمَّ أهل البيت إلى عامّة الناس، والنبي (صلّى الله عليه وآله) معني بشكل خاص بهذه الرسالة؛ لأنَّه هو الذي يتلو هذه الرسالة على الناس ويُبيّنها لهم.
إذن كوننا دُعاة إلى الله تعالى ـــ بما نحن دعاة فضلاً عن كوننا أهلَ علمٍ، وليس لنا شغل فعلاً بالعلوم الفنية بذاتها ـــ يقتضي الاهتمام والمُعايشة والحفظ.
إذن الاهتمام الأوّل الذي أوصيكم به وأوصي نفسي به هو الاهتمام بحفظ القرآن الكريم بمقدار ما يستطيع الإنسان.
والآخر: هو الاهتمام بمطالعة القرآن الكريم مطالعةَ معايشةٍ، لا أقصد مطالعة علميّة بالضرورة، نعم يمكن أن يستعين الإنسان بالتفاسير لفهم الغوامض ولفهم أسئلةٍ تخطر في ذهنه لكي يستطيع أن يُعايشَ الناسَ معايشةً صحيحةً، ولكني أقصد بمطالعة القرآن مطالعة معايشةٍ عبارة عن دورةٍ هذه الدورة في القرآن الكريم، فيكون عند الإنسان في هذا الشهر الكريم مطالعةٌ لدورةٍ بشكل معايشة وتفهّم وتفقه دون أن يطيل في المباحث الفنيّة إلّا إذا وجد وقتاً إضافيّاً لذلك.
ولكن المهم أن يكون كنصٍ حيوي يفهمه ويفهم ارتباطاته ومقاصده، مثل ما لو كتبَ لنا أحدٌ رسالةً حسّاسة أو مهمّةً ـــ مثلاً ـــ فكم نتأمّل فيها! أو مثلاً يكون هناك رسالةٌ سياسية خطيرة من مقام مسؤول أو من مقام دولي فنحن نتأمل نصّ هذه الرسالة، ونفكّك أجزاءها إذا كانت رسالة مهمّة.
المقصود أن نستطيع أن نطالع القرآن الكريم مطالعة قريبة وحيويّة، بنحو دورةٍ في هذا الشهر الكريم، ونقرأه بهذا النفس، هذا أيضاً يعطينا نوعاً من الذوق ومزيداً من الفائدة، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لذلك